الآخر ، ويتمايزان . كلّ ذلك بالضرورة 15 . والسنخيّة بين الفاعل وفعله تقضي بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين . فلو كان هناك أرباب متفرّقون ، سواء اجتمعوا على فعل واحد ، أم كان لكلّ جهة من جهات النظام العالميّ العامّ ربّ مستقل في ربوبيّته ، كربّ السماء والأرض وربّ الإنسان وغير ذلك ، أدّى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه ؛ ووحدة النظام والتلازم المستمرّ بين أجزائه تدفعه .
شرح
- أي : لا يتمّ تميّز في الأرباب المفروضين . وذلك لأنّ كلّ واحد منهم مجرّد ، والمجرّد نوعه منحصر في فرد ، على ما مرّ في الفصل السابع من المرحلة الخامسة وسيأتي أيضا في الفصل العشرين من هذه المرحلة .
وإلّا فالتميّز في المادّيّات لا ينحصر في ما يكون باختلاف الذات ، بل يحصل أيضا بالعوارض والمنضمّات ، كما مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الخامسة . هذا . ولكن قد مرّ في بعض تعاليقنا أنّ ما ذكروه ، من انحصار النوع المجرّد في فرد ، غير متين ، وأنّ الدليل عليه غير تامّ .
قوله قدّس سرّه : « على جهة ذاتيّة »
سواء كانت جزء الذات وهي الفصل ، أم تمام الذات .
والسرّ في ذلك أن الأرباب المذكورة موجودات مجرّدة ، وقد ثبت في الفصل السابع من المرحلة الخامسة أنّ النوع المجرّد منحصر في فرد ، فالكثرة في المجرّدات لا تعقل إلّا أن تكون كثرة نوعيّة ، سواء كانت أنواعها مركّبة أو بسيطة ، فالتمايز بين المجرّدات ببعض الذات - وهي الفصول - إن كانت الأنواع مركّبة ، وبتمام الذات إن كانت بسائط ، ولا يعقل فيها تحقّق التمايز بالعوارض ، والتمايز منحصر في هذه الأقسام الثلاثة .
إن قلت : هنا نوع آخر من التمايز هو التمايز بالكمال والنقص . قلت : هو أيضا غير متصوّر هنا إذ لو كان كذلك لكان الناقص معلولا ومربوبا للكامل ، فلم يكونا إلهين ؛ هذا خلف .
15 - قوله قدّس سرّه : « كلّ ذلك بالضرورة »
لا يخفى عليك : أنّ كلّا ممّا ذكر ، من أنّ الكثرة لا تتحقّق إلّا بالآحاد ، وأنّه لا آحاد إلّا مع التميّز ، وأنّه لا تميّز إلّا باشتمال كلّ من الآحاد على جهة يفقدها الباقون ، وإن كان ضروريّا ، إلّا أنّ وجوب كون تلك الجهة ذاتيّة لا عرضيّة لا يكون ضروريّا ، بل إنّما ثبت بما أقاموه من البرهان المزعوم على أنّ النوع المجرّد منحصر في فرد .