إن كان واجبا لغيره ، وهو علّته الموجودة الواجبة ، فعلّته 16 إمّا واجبة لذاتها ، فهو ، وإمّا واجبة لغيرها ، فننقل الكلام إلى علّة علّته ، وهلمّ جرّا ، فإمّا أن يدور ، أو يتسلسل ، أو ينتهي إلى واجب لذاته . والشقّان الأوّلان مستحيلان ، والثالث هو المطلوب .
برهان آخر ، أقامه الطبيعيّون من طريق الحركة والتغيّر 17 . تقريره أنّه قد ثبت في ما تقدّم 18 ، في مباحث القوّة والفعل ، أنّ المحرّك غير المتحرّك ، فلكلّ متحرّك محرّك غيره ؛ ولو كان المحرّك متحرّكا ، فله محرّك أيضا غيره ؛ ولا محالة تنتهي سلسلة المحرّكات إلى محرّك غير متحرّك ، دفعا للدور والتسلسل ، وهو ، لبراءته من المادّة والقوّة وتنزّهه عن التغيّر والتبدّل وثباته في وجوده ، واجب الوجود بالذات ، أو
شرح
16 - قوله قدّس سرّه : « فعلّته »
هذا هو الصحيح ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « فعليّته » .
17 - قوله قدّس سرّه : « برهان آخر أقامه الطبيعيّون من طريق الحركة والتغيّر »
يبدو أنّ هذا البرهان وما يتلوه يرجعان إلى برهان الإمكان والوجوب ، حيث إنّ الحركة والنفس من مصاديق الممكن . فتارة يستدلّ بوجود الممكن من غير تعيين لمصداق الممكن ، فيكون برهان الإمكان والوجوب ، وأخرى يستدلّ بمصداق معيّن منه بعد إثبات مصداقيّته ، كما في برهان الحركة والنفس . فتأمّل .
قوله قدّس سرّه : « أقامه الطبيعيّون »
لا يخفى أنّ إقامة البرهان على وجوده تعالى إنّما هي شأن الفيلسوف الإلهيّ . وإنّما نسبها إلى الطبيعيّين لأنّ هؤلاء الحكماء الطبيعيّين إلهيّون أيضا ، ولكن لمّا استفادوا في برهانهم من الحركة التي كانت من مباحثهم في الحكمة الطبيعيّة - حيث إنّه كانت الحركة في ما سبق من مباحث الحكمة الطبيعيّة ، وأوّل من جعلها من مباحث الحكمة الإلهيّة صدر المتألّهين قدّس سرّه ، وتبعه في ذلك من تأخّر عنه . وهكذا الكلام في البرهان الآتي حيث إنّ مباحث النفس كانت عندهم من الحكمة الطبيعيّة - أسند البرهان إليهم بما أنّهم طبيعيّون .
18 - قوله قدّس سرّه : « في ما تقدّم »
في الفصل العاشر من المرحلة التاسعة .