المتحرّك حركة . فالجسم المتحرّك مثلا من وضع ، إلى وضع ، إنّما يريد الوضع الثاني ؛ فيتوجّه إليه بالخروج من الوضع الأوّل إلى وضع سيّال يستبدل به فردا آنيّا إلى فرد مثله ، حتّى يستقرّ على وضع ثابت غير متغيّر ، فيثبت عليه ، وهو التمام المطلوب لنفسه . والمحرّك أيضا يطلب ذلك .
وإذا كان المحرّك فاعلا علميّا لعلمه دخل في فعله 13 - كالنفوس الحيوانيّة والإنسانيّة - كانت الحركة ، بما لها من الغاية التي هي التمام ، مرادة له ؛ لكنّ الغاية هي المرادة لنفسها ؛ والحركة تتبعها ، لأنّها لأجل الغاية ، كما تقدّم . غير أنّ الفاعل العلميّ ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة 14 ، فيأخذه منتهى إليه للحركة ،
شرح
زيد مثلا أنّه يتحرّك ، ثمّ إذا سئل عن جهة حركته أجاب بأنّه يتحرّك ولكن لا إلى جهة ، لم يكن لهذا الجواب معنى إلّا أنّه لا حركة له أصلا . فهو كمن يدّعي أنّه يتحرّك ويدّعي مع ذلك أنّ سرعته - والمراد من السرعة مطلق السيلان الّذي هو خاصّة لازمة للحركة - صفر . هذا .
ولكن لا يخفى عليك ما فيه من الخلط بين الجهة والغاية ، كما نبّه عليه شيخنا المحقّق - دام ظلّه - فالّذي لا يتمّ بدونه حركة هي الجهة ، سواء انتهت إلى غاية أم لم تنته .
13 - قوله قدّس سرّه : « إذا كان المحرّك فاعلا علميّا لعلمه دخل في فعله »
قوله قدّس سرّه : « لعلمه دخل في فعله » صفة ثانية للفاعل تفسّر الصفة الأولى - فإنّ معنى كون الفاعل فاعلا علميّا هو أنّ لعلمه دخلا في فعله - فذكرها تنبيه على ما مرّ في الفصل السابع من تعريف الفاعل العلميّ .
14 - قوله قدّس سرّه : « أنّ الفاعل العلميّ ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة »
وهذه الخصوصيّة من وجوه تفكيك الفاعل العلميّ عن الطبيعة ، مع أن فعل كليهما حركة ، والدليل على وجود الغاية فيهما واحد ، من غير فرق بين أن يكون المحرّك فاعلا علميّا أو غيره .
قوله قدّس سرّه : « ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة »
التخيّل هنا بمعنى الزعم والظنّ ، كما يدلّ عليه تعدّيه إلى مفعولين ، أي : يزعم ويظنّ لازم الغاية أو مقارنها غاية للحركة ، فيصير اللازم أو المقارن مقصودا بالذات له وعلّة غائيّة لفعله .