إمّا هو أبيض أوليس بأبيض ، وهكذا . فكلّ نقيضين مفروضين يعمّان جميع الأشياء .
ومن أحكام هذا التقابل أنّ النقيضين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا 17 ، على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة ، كما تقدّمت الإشارة إليه 18 ؛ وهي قولنا : إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب .
وهي قضيّة بديهيّة أوّليّة يتوقّف عليها العلم بصدق كلّ قضيّة مفروضة 19 ،
شرح
الإيجاب هو السلب ، وأمّا الإيجاب العدوليّ فهو من قبيل عدم الملكة بالنسبة إلى الإيجاب ، فيمكن ارتفاعهما عن غير الموضوع القابل .
وبما ذكرنا يظهر أنّ ما قد يقال في بيان هذا الحكم ، من أنّ كلّ شيء مفروض إمّا هو زيد أو لا زيد ، غير متين ، لأنّ الشيء الوجوديّ لا يمكن أن يكون مصداقا لأمر عدميّ . فعمرو ليس بلا زيد كما ليس بزيد .
17 - قوله قدّس سرّه : « أنّ النقيضين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا »
والدليل على هذا الحكم مجموع أمرين ، أحدهما : التقابل ، وثانيهما : ما مرّ في الحكم السابق ، من امتناع الواسطة بين النقيضين ؛ فبمقتضى الأوّل لا يصدقان ، أي لا يجتمعان ؛ وبمقتضى الثاني لا يكذبان ، أي لا يرتفعان .
18 - قوله قدّس سرّه : « كما تقدّمت الإشارة إليه »
في أوّل الفصل .
19 - قوله قدّس سرّه : « يتوقّف عليها العلم بصدق كلّ قضيّة مفروضة »
مراده قدّس سرّه : أنّه يتوقّف عليها اليقين بصدق كلّ قضيّة ، حيث إنّ اليقين هو العلم بأنّ هذا كذا ولا يمكن أن لا يكون كذا ، وإذا علم بأنّ هذا كذا ، لا يعلم أنّه لا يمكن أن لا يكون كذا إلّا بالاستناد إلى المنفصلة الحقيقيّة المذكورة ، وهو قولنا : إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب .
ويشهد لما ذكرنا قوله قدّس سرّه الآتي : « ولذا كان الشكّ في صدق هذه المنفصلة الحقيقيّة مزيلا للعلم بكلّ قضيّة مفروضة » انتهى . وأمّا نفس الصدق ، فلمّا لم يكن إلّا مطابقة الخبر للواقع جاز أن يتحقّق وإن كان اجتماع النقيضين ممكنا ، حيث إنّ صدق « هذا ذاك » لا يدفعه صدق « هذا