لا يخفى عليك : أنّ المراد من حقيقة الوجود هنا ، هي الحقيقة الواحدة الّتي تكون ذات مراتب مشكّكة ، أعني الوجود بأسره . وهو المعنى الأوّل من معاني حقيقة الوجود ، الّتي مرّ ذكرها في بعض تعاليقنا على ذيل الفصل السابق .
يشهد لما ذكرنا أمران : الأوّل : جعل تخصّصها قسيما لتخصّص الوجود بكلّ مرتبة من مراتبه ، والثاني : وصفها بالسعة والانبساط ، فإنّ السعة والانبساط من أوصاف حقيقة الوجود بالمعنى المذكور .
وهذا المعنى هو الظاهر أيضا من كلامه في بداية الحكمة حيث قال قدّس سرّه :
« تخصّص الوجود بوجوه ثلاثة :
أحدها : تخصّص حقيقته الواحدة الأصيلة بنفس ذاتها القائمة بذاتها .
ثانيها : تخصّصها بخصوصيّات مراتبها ، غير الخارجة عن المراتب .
ثالثها : تخصّص الوجود بإضافته إلى الماهيّات . . . » انتهى .
فإنّ إضافة التخصّص في ثاني الوجوه إلى ضمير المؤنّث الراجع إلى حقيقته الواحدة المذكورة في أوّل الوجوه ، دليل على أنّ المراد بالحقيقة الواحدة في الوجه الأوّل هي حقيقة الوجود بالمعنى الذي ذكرنا ، لأنّها هي التي لها مراتب .
وقال شيخنا المحقّق - دام ظلّه - أيضا في التعليقة ، ص 42 : « الظاهر من كلامه أنّ مراده بها [ حقيقة الوجود ] الواقعيّة المطلقة الشاملة للواجب والممكنات . » انتهى .
لكن لا يخفى عليك : أنّ الحقيقة بهذا المعنى إنّما يكون متخصّصا بتخصّص الواجب تعالى حيث إنّه وجود مستقلّ لا حدّ له وسائر الموجودات روابط موجودة فيه . فهو بوحدته جامع لمتفرقاتها . ولولا ذلك لم يكن للحقيقة المذكورة تخصّص ، بعد ما لم يكن هناك سوى المراتب الكثيرة الّتي كلّ مرتبة منها متخصّصة بنفس ذاتها ، ولم يكن للمجموع تخصّص غير تخصّصاتها .
ولعلّ هذا هو الموجب لأن فسّر المصنّف قدّس سرّه في تعليقته على الأسفار ، ج 1 ، ص 44 - 45 . تخصّص الحقيقة المذكورة بتخصّص الحقيقة المأخوذة بشرط لا الّتي هي أعلى مراتب التشكيك . وهو الواجب تعالى .
قوله قدّس سرّه : « تخصّصا »
قال شيخنا المحقّق - دام ظلّه - في التعليقة : « والذي يجب التنبيه عليه ، أنّ السؤال عن
نهاية الحكمة ( تعليق الفياضي ) — صفحة 96
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩٦