إمّا بالذات وإمّا بالغير 39 ، معناه : « أنّ الموجود الواجب 40 ينقسم إلى واجب لذاته وواجب لغيره » .
ورابعا : أنّ هذا الفنّ لمّا كان أعمّ الفنون موضوعا 41 ، ولا يشذّ عن موضوعه ومحمولاته
شرح
39 - قوله قدّس سرّه : « وقولنا : الوجوب إمّا بالذات أو بالغير »
لا يخفى عليك : عدم استقامة عطفه على ما قبله ، فإنّ هذه القضيّة ليست من باب عكس الحمل ؛ إذ كيف يمكن أن يبدّل قولنا : « الوجوب إمّا بالذات أو بالغير » بعكس الحمل إلى قولنا :
« الموجود الواجب ينقسم إلى واجب لذاته وواجب لغيره » . بل الواو استينافيّة . والجملة دفع دخل هو أنّ بعض المسائل المبحوث عنها في الفلسفة لا يرجع إلى البحث عن الوجود حتّى بعكس الحمل ، كقولنا : « الوجوب إمّا بالذات أو بالغير » . ومحصّل الدفع أنّ الموضوع في مثل ذلك أيضا ، هو الوجود . وان لم يكن ظاهر التعبير موافقا لذلك .
40 - قوله قدّس سرّه : « أن الموجود الواجب »
الواجب قيد توضيحيّ ، لأنّ الوجود مساوق للوجوب . فموضوع المسألة هو الموجود المطلق الذي هو موضوع الفلسفة .
41 - قوله قدّس سرّه : « أنّ هذا الفنّ لمّا كان أعمّ الفنون موضوعا »
مراده قدّس سرّه من هذا الأمر بيان أنّ الفلسفة ليست من العلوم الآليّة . وتوضيحه يحتاج إلى تمهيد مقدّمة ، هي : أنّ الغرض الأساس من العلوم وإن كان هو كشف الحقائق والأمور الواقعيّة - ولو اعتبارا - بطريق الفكر والنظر ، إلّا أنّ الفكر الذي هو وسيلة كشف الحقائق ، يحتاج إلى قواعد تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ فيه ، وهو المنطق . فالمنطق آلة لكلّ علم ، كما أنّ هناك علوما يتوقّف معرفتها على بعض آخر من العلوم أيضا . كالفقه الذي يتوقّف على أصول الفقه أيضا .
فالعلوم تنقسم إلى قسمين :
1 - أصاليّ ، يكون الغرض منه كشف الحقائق العينيّة ولا يقصد لأجل التوصّل به إلى علم آخر ، فليس يطلب لأجل علم آخر وإن كانت له غاية أو غايات غير ذلك ، هي فوائد تترتّب عليه .
2 - آليّ ، يكون الغرض منه معرفة غيره من العلوم ، سواء كان آلة لجميع العلوم أو لبعضها . فلا يطلب إلّا لأجل علم أو علوم غيره .
إذا تمهّدت هذه المقدّمة نقول : ملخّص بيانه في إثبات أنّ الفلسفة ليست علما آليّا هو أنّه لمّا :
أ - كان العلم عبارة عن مجموعة من المسائل ، وليست المسائل إلّا الموضوع وما حمل عليه