الأزليّة . وقد تقدّم في المرحلة الأولى أنّ الوجود حقيقة عينيّة مشكّكة ذات مراتب مختلفة ، كلّ مرتبة من مراتبها تجد الكمال الوجوديّ الذي لما دونها ، وتقوّمه ، وتتقوّم بما فوقها ، فاقدة بعض ما له من الكمال ، وهو النقص والحاجة ، إلّا المرتبة التي هي أعلى المراتب ، التي تجد كلّ كمال ، ولا تفقد شيئا منه ، وتقوم بها كلّ مرتبة ، ولا تقوم بشيء وراء ذاتها .
فتنطبق الحقيقة الواجبيّة على القول بالتشكيك على المرتبة التي هي أعلى المراتب ، التي ليس وراءها مرتبة تحدّها ، ولا في الوجود كمال تفقده ، ولا في ذاتها نقص أو عدم يشوبها ، ولا حاجة تقيّدها . وما يلزمها من الصفات السلبيّة مرجعها إلى سلب السلب 24 ، وانتفاء النقص والحاجة ، وهو الإيجاب . 25
شرح
مثل ما يقال : الماهيّة من حيث هي ممكنة . أي مع قطع النظر عن جميع ما عداها حكم نفسها أنّها ممكنة .
ثانيها : أن يكون الغرض من التقييد بيان علّة الحكم للمقيّد ، ويسمّى حيثيّة تعليليّة . كأن يقال : الإنسان من حيث إنّه متعجّب ضاحك .
ثالثها : أن يكون الغرض من التقييد أخذ المقيّد مع القيد مجموعين ، فيسمّى حيثيّة تقييديّة . كأن يقال : هذا الثوب من حيث إنّه أسود قابض لنور البصر . » انتهى .
فالواجب من حيث هو ، موجود بالضرورة .
والوجودات الممكنة من حيث إنّ علّتها موجودة ، موجودة بالضرورة .
والماهيّات من حيث إنّ وجوداتها موجودة ، موجودة بالضرورة .
والحيثيّة في الواجب إطلاقيّة ، وفي الوجودات الممكنة تعليليّة ، وفي الماهيّات تقييديّة .
ولا يخفى عليك : أنّ الحيثيّة الإطلاقيّة ليست في الحقيقة حيثيّة ، وإنّما يؤتى بها تأكيدا لنفي الحيثيّة .
24 - قوله قدّس سرّه : « وما يلزمها من الصفات السلبيّة مرجعها إلى سلب السلب »
دفع دخل ، حاصله : أنّه كيف تقولون إنّه ليس في الوجود كمال يفقده ، وليس في ذاته نقص أو عدم يشوبه ، أنّ هناك صفات يسلب عنه ، تسمّى بالصفات السلبيّة ؟ !
25 - قوله قدّس سرّه : « وهو الإيجاب »
أي : إثبات الكمال والوجدان .