والذي يقع البحث عنه في هذا الفنّ ، الباحث عن الموجود بما هو موجود 9 ، بالقصد الأوّل ، من هذه الموادّ الثلاث ، هو الوجوب والإمكان ، كما تقدّمت الإشارة إليه ؛ وهما وصفان ينقسم بهما الموجود من حيث نسبة وجوده إليه 10 انقساما أوّليّا .
شرح
فإنّه يلزم من وجود الفرض عدمه ، حيث إنّ عدم الواجب يستلزم عدم الممكنات جميعا ، ومنها الفرض المذكور . ففرض عدمه فرض لعدم الفرض .
ولا يذهب عليك ، أنّ الفرض يستعمل بمعان كثيرة
منها : تقدير وجود الشيء ، وهذا المعنى هو المراد هنا .
ومنها : تصوّر الشيء . وهو المراد من الفرض في قولهم : فرض المحال ليس بمحال . وأمّا الفرض بالمعنى الأوّل ، فهو وإن لم يكن مستحيلا في بعض المحالات ، كما إذا قدّرنا وجود زيد وعدمه في زمان واحد في مكان واحد . إلّا أنّه محال في بعض المحالات ، كما عرفت ، حيث إنّ نفس الفرض تناقض ، ولا يختصّ الاستحالة بالمفروض فقط .
9 - قوله قدّس سرّه : « الباحث عن الموجود بما هو موجود »
الموجود بما هو موجود ، هو الوجود ، كما صرّح به في التحصيل ص 279
ويدلّ عليه تعبيرهم عن موضوع الفلسفة تارة بالوجود وأخرى بالموجود من حيث هو موجود .
وعلى هذا فهو مناف لما سيذكره في الفرع الأوّل ، من أنّ الإمكان وصف للماهيّة من حيث هي ، ولا يتّصف به الوجود .
10 - قوله قدّس سرّه : « الموجود من حيث نسبة وجوده إليه »
أي : الذات المتّصفة بالوجود من حيث نسبة وجوده إليها . وبعبارة أخرى : إذا أخذت الذات موضوعا ونسب إليها الوجود . فكيفيّة النسبة لا تخلو من أن تكون إمّا الوجوب وإمّا الإمكان . ولا يخفى : أنّ الموجود هنا أريد منه معناه الأعمّ الذي أشار إليه في الفصل الثاني من المرحلة الأولى حيث قال : إنّ للموجود من حيث اتّصافه بالوجود نحو انقسام إلى ما بالذات وما بالعرض ؛ فالوجود موجود بالذات بمعنى أنّه عين نفسه ؛ والماهيّة موجودة بالعرض ، أي إنّها ليست بالوجود بالنظر إلى نفس ذاتها . . .
وذلك لأنّ موضوع الإمكان هي الماهيّة كما سيصرّح قدّس سرّه به في الفرع الأوّل .
ومن هنا يظهر المسامحة في جعل البحث هذا من المباحث التقسيميّة للوجود . وكان اللازم أن يجعل محطّ البحث الإمكان الوجوديّ والفقريّ والوجوب بمعنى استقلال الوجود .