ولا انطباع في المجرّد . 59
وبذلك يندفع أيضا إشكال آخر : هو أنّ الإحساس والتخيّل 60 - على ما بيّنه علماء الطبيعة - بحصول صور الأجسام بما لها من النسب والخصوصيّات الخارجيّة في الأعضاء الحسّاسة 61 ، وانتقالها إلى الدماغ مع ما لها من التصرّف في الصور بحسب طبائعها الخاصّة 62 ؛ والإنسان ينتقل إلى خصوصيّات مقاديرها وأبعادها وأشكالها بنوع من المقايسة بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده 63 ، على ما فصّلوه في محلّه ؛ ومن الواضح أنّ هذه الصور الحاصلة
شرح
لا يخفى : أنّ المادّة لا تنطبع في شيء ، بل تنطبع فيها المنطبعات ، من الصور الجسميّة والنوعيّة والأعراض . وكلّها مادّيّة وليست بمادّة . فالمراد أنّ الانطباع من أحكام المادّيّات ومن خواصّها .
59 - قوله قدّس سرّه : « ولا انطباع في المجرّد »
إذ الانطباع في شيء يتوقّف على استعداد ذلك الشيء ، ولا استعداد إلّا في المادّة ، فلا ينطبع شيء إلّا في المادّة ، ولازم ذلك أن لا يكون المنطبع إلّا مادّيّا ، إذ كلّ ما انطبع في المادّة فهو مادّيّ .
60 - قوله قدّس سرّه : « أنّ الإحساس والتخيّل »
لا يخفى عليك : أنّه وإن أطلق الإحساس والتخيّل إلّا أنّ المراد منه خصوص الإدراك البصري ، كما يشهد له الفقرات اللاحقة . ويؤيّد ما ذكرنا أنّه في أصول فلسفه ج 1 ، ص 61 - 64 خصّ الإدراك البصري بالذكر عند بيان نفس هذا الإشكال .
نعم ! قوله قدّس سرّه : « ما لها من التصرّف في الصور بحسب طبائعا الخاصّة » . وقوله قدّس سرّه : « ومن الواضح أنّ هذه الصور الحاصلة . . . » يعمّان جميع أقسام الإحساس .
61 - قوله قدّس سرّه : « بما لها من النسب والخصوصيّات الخارجيّة في الأعضاء الحسّاسة »
النسب ككون الرأس إلى فوق والرجلين إلى تحت ، وكون الرأس جزء من عشرين جزء مثلا من البدن . والخصوصيّات ككون الشعر أسود والوجه أبيض وكون الرأس مدوّرا واليدين طويلتين .
62 - قوله قدّس سرّه : « مع ما لها من التصرّف في الصور بحسب طبائعها الخاصّة »
أي : مع ما للأعضاء الحسّاسة من التصرّف فيها . فإنّ الصورة المرئيّة مثلا بعد وصولها إلى شبكيّة العين تتبدّل إلى أمواج برقيّة مغنطيسيّة ثمّ تنتقل إلى الدماغ .
63 - قوله قدّس سرّه : « بنوع من المقايسة بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده »