والنتيجة : إن كل موجود مجرّد ذاتاً وفعلًا فهو عاقل يعقل ذاته وغيره بالعلم الحضوري ، وهو معقول لنفسه ولغيره . وكل مجرّد هو عقل ، والعقل هو حضور شيء لشيء ، فهو عقل وعاقل ومعقول « 1 » ، وهذه المفاهيم الثلاثة مصداقها شيء واحد .
قد يقال : ينبغي - على ما تقدّم - أن تكون النفس الإنسانية المجرّدة عاقلة لكل ما يمكن أن يعقل من المعقولات الأخرى ، فتعلم بكل ما يمكن أن يعلم علماً حضورياً .
والجواب : إن النفس وإن كانت مجرّدة ذاتاً ولكنها مادّية فعلًا ، فلو لم تكن النفس في مقام الفعل محتاجة إلى المادّة لكان الإشكال في محله . وعليه ، فإذا تجرّدت النفس تجرّداً تاماً ، ذاتاً وفعلًا ، وصلت إلى مرتبة العقل المستفاد . وقبل أن تتجرد تجرداً تاماً فلا يمكن لها أن تتعقّل غيرها إلا من خلال الارتباط بالمادة بنحو تكون المادّة علّة معدّة للارتباط بتلك العوالم . وحيث إنّ النفس مجرّدة عن المادّة ذاتاً فلهذا تعقل ذاتها وتعلم بها علماً حضورياً ولا تغفل عن ذاتها في حال من الأحوال لا في نوم ولا في يقظة . وفي ما عدا علمها بذاتها فهي تحتاج إلى المادّة وإلى العلل المعدة .
فالمانع الذي يمنع النفس من أن تعلم بغيرها بالعلم الحضوري هو ارتباطها بالمادة . فعلمها بغيرها يكون بنحو تكون المادّة هي العلة المعدة لارتباط النفس بالوجود المجرّد العقلي أو المثالي .
والعلم بناء على أنه كيف نفساني عرض ، ولكنه مجرّد عن المادة . وهذا البرهان على أن المجرّد عالم بذاته بالعلم الحضوري ، وعالم بكل ما يمكن أن
هامش
( 1 ) العقل : يعني حاضر لنفسه ، وعاقل : يعني عالِم ومدرِك لنفسه ولغيره ، ومعقول : أي معقول لنفسه ولغيره ( العلامة الحيدري ) .