وأما الجواب النقضي فهو مبني على عدم التفكيك بين الأبدية والأزلية « 1 » ، فإذا ثبتت الملازمة بين أزلية الشيء وكونه مستغنياً عن العلة ، فيلزم من ذلك أن يكون الأبدي أيضاً مستغنياً عن العلة . ومع أن متكلمي العامة يسلّمون بالوجود الأبدي للإنسان والعالم الأخروي
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
« 2 » وأن هذا الوجود غير مستغنٍ عن العلة فيلزم أن لا يكون دوام الوجود سبباً في الاستغناء عن العلة .
مناقشة دليل الفلاسفة
إن كون الملاك في الاحتياج إلى العلة هو الإمكان الذاتي يبتني على أساس المشرب المشائي ، كما ينسجم مع أصالة الماهية لا الوجود . وهذا بخلاف الأمر على مبنى أصول الحكمة المتعالية حيث يكون الوجود المعلول - أي الممكن - وجوداً رابطاً حرفياً ، وليس مستقلًا اسمياً . فإذا كان كذلك ، فسواء كان وجوده دائمياً أو غير دائمي ، فلا يخرجه ذلك عن الرابطية إلى الاستقلال ، فإن دوام الوجود لا يحيل الوجود الرابط الذي هو وجود فقير إلى وجود غني .
هامش
( 1 ) فإن حكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز واحد ، والأبدية والأزلية هما من الأمثال لأن الأبد ما لا نهاية له من حيث الابتداء ، والأزل ما لا نهاية له من حيث الانتهاء ، فإذا أمكن للأبدي أن يحتاج إلى العلة ، فلا مانع من إمكانه بالنسبة إلى القديم الأزلي . والإمكان هنا هو الإمكان العام فينسجم مع الوجوب .
( 2 ) سورة النساء : 57 .