إلى أن الأولوية لو كانت من ذات الماهية الممكنة ، لكان ذلك كافياً في أن توجد نفسها بنفسها بدون احتياج إلى علة . فلو كان الوجود أولى لها ، بحيث كانت الأولوية جزءاً ذاتياً من ماهيتها ، وكانت الأولوية كافية في تحقق المعلول بحسب المدّعى ، فيلزم من ذلك أن يكون المعلول متحققاً بدون علة . هذا كله بناءً على كون الأولوية كافية . وأما لو كانت غير كافية فمن الواضح حينئذ أنها تحتاج إلى علة .
وأما الأولوية الغيرية ، فقد ثبت في الأبحاث السابقة أن الشيء يثبت له الوجود بالإمكان أو بالوجوب أو بالامتناع ولا رابع . وعليه ، فالماهية إذا خرجت عن حد الاستواء ، إما أن تصل إلى حد الوجوب فتوجد ، أو أن لا تصل إلى ذلك الحد ومع ذلك توجد :
فإن وصلت إلى حد الوجوب ووجدت ، فإن الطرف الآخر يكون ممتنعاً عليها حينئذ ، وإلا لم تكن واجبة .
وإن لم تصل إلى حد الوجوب ومع ذلك وجدت ، بأن كان الوجود أولى لها بحسب مدّعى هؤلاء المتكلمين ، فيترتب عليه أنه قد ثبت بالحصر العقلي أن المواد منحصرة في ثلاث ، وأنه لا توجد واسطة بين الإمكان والوجوب . فإذا لم تكن واجبة فلابد أن تكون ممكنة . ولكن إذا كان الشيء ممكناً ، ومع ذلك وجد ، فيلزم الترجيح بلا مرجح ؛ إذ إن كل من الطرفين ممكن له فلا ينقطع السؤال : لما وجد هذا ولم يوجد ذاك ؟ فلابد لكي ينقطع السؤال أن يكون الطرف الآخر ممتنعاً .
وعلى هذا الأساس يشكل المصنف على هؤلاء المتكلمين بأن الأولوية الغيرية التي لا تصل إلى حد الوجوب غير معقولة ، لأن الشيء إما ممكن وإما واجب وإما ممتنع ، وحيث إنّه من المفروض أن الشيء ليس بممتنع ، فيدور الأمر بين الإمكان والوجوب ، ومع القول بأنه لم يصل إلى حد الوجوب فهو إذن باقٍ على إمكانه وحينئذ لا معنى لأن يوجد . فلا معنى معقول للأولوية الغيرية .
شرح بداية الحكمة — صفحة 229
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٩