والسبب في أنّ الماهية بالمعنى الأخص لا تصدق على الواجب تعالى أن هذه الماهية تنتزع من حد الوجود ، وما لا حدّ له فلا ماهية له ، فالماهية بالمعنى الأخص لا تكون هي الوجود . نعم ، الماهية بالمعنى الأعم هي الوجود . ولهذا يفسّر المصنف ماهية واجب الوجود بالوجود ، بمعنى أنه لا ماهية له ( بالمعنى الأخص ) . ولا يلزم من إثبات الماهية له تعالى وسلبها عنه التهافت ، لوضوح أن الماهية بالمعنى الأعم مغايرة للماهية بالمعنى الأخص .
والحاصل فإن الواجب سبحانه وتعالى وجودٌ محض ( الماهية بالمعنى الأعم ) ، لا أنه مركب من وجود ومن ماهية ( بالمعنى الأخص ) كما هو الحال في الممكنات .
برهان أن الواجب لا ماهية له
والبرهان على ذلك أنه : إذا كان للواجب ماهية وراء وجوده الخاص ، فيثبت له الإمكان على ما تقدم في الفصل السابق . وإذا ثبت له الإمكان ، فتستوي نسبة الواجب إلى الوجود والعدم ، ويكون الوجود عارضاً على ماهيته وزائداً عليها . وبالنتيجة ، لو كان للواجب ماهية لكان وجوده عارضاً على ماهيته وزائداً عليها .
وإذا كان وجود الواجب عرضياً فيلزم أن يكون وجوده معلّلًا ؛ فإن كل عرضي معلّل . وبالنتيجة ، إذا كان للواجب ماهية وراء وجوده الخاص به فيلزم أن يكون وجوده معلّلًا . وإذا كان الواجب معلّلًا ، فإما أن تكون علة وجوده هي نفس الماهية ، وإما أن تكون علة وجوده شيئاً آخر غير ماهيته ، ولا ثالث في البين .
وعلى الشقّ الأول يلزم تقدّم الشيء على نفسه . فلو كانت الماهية هي العلة في عروض الوجود على ماهية الواجب ، وحيث إنّ كل علة متقدمة على معلولها بالوجود ، فيلزم من ذلك أن يكون الشيء متقدماً على نفسه . وتوضيح ذلك أنه من الثابت أن كلّ علة مفيضة للوجود لابد أن تكون متقدمة على