ومن ناحية ثانية : لا ريب في أن كل فرد من أفراد الإنسان يعلم بنفسه ، وأنه موجود متحقق وليس بوهم وخيال . فالإنسان قد يشكّ في كل شيء ، لكن لا يمكنه الشكّ في نفسه ووجوده ، وإنما الكلام في أنه : هل يعلم أيضاً بالأمور الخارجة عن ذاته ؟ وهل هذه الصور المتحققة في الذهن كصورة الإنسان ، والشجر ، وغيرها من ماهيات ، تحكي الواقع الخارجي ؟ وهل الصورة المتحققة في الذهن مطابقة للواقع الخارجي أم غير مطابقة ؟
الجواب لا يخرج عن أحد احتمالين : إما أن تكون الماهيات المتحققة في الذهن حاكية عن الماهيات المتحققة في الخارج ، أو أنها ليست حاكية عنها ، ولا ثالث لهما في البين .
فإن كانت حاكية عنها ثبت المطلوب ، وهو أن الماهية في الخارج عين الماهية في الذهن ، وإن اختلفا وجوداً . وإن لم تكن الماهيات المتحققة في الذهن حاكية عن الماهيات المتحققة في الخارج وكاشفة عنها ، فيلزم على هذا أن تكون المعارف والصور الذهنية الحاصلة في النفس جهلًا مركباً ، لفرض المغايرة بينهما « 1 » ، بل يلزم على هذا السفسطة وانسداد باب العلم بالخارج من أصله .
وإلى هنا يتضح أن القول بالوجود الذهني يتوقّف على إثبات الركنين التاليين :
[ أن القول بالوجود الذهني يتوقّف على إثبات الركنين التاليين : ]
الأول : إثبات الوجود الذهني في مقابل الوجود الخارجي .
هامش
( 1 ) لقائل أن يقول : لا نسلّم بوجود الواقع الخارجي حتى تصل النوبة إلى البحث في مطابقة الصورة الذهنية له وعدم مطابقتها له . والجواب مفصلًا يأتي في مبحث العلم ، وإجماله أنّ البرهان قائم على أن الصور الموجودة في الذهن ليست مخلوقة للنفس . ولو كانت من خلق النفس لما كانت النفس تخلق الصور التي تؤلمها وتؤذيها . وحيث إنّ هذه الصور لم تكن موجودة ثم وجدت ، فتحتاج إلى علّة ، فإذا لم تكن النفس هي العلّة الخالقة لتلك الصور التي في الذهن ، فيكون علّتها حينئذ هو الخارج ( ش ) .