أشار إليها المصنف ( قدس سره ) هنا هي قوله أنّ المراد من نفس الأمر هو موجود مجرّد ذاتاً وفعلًا .
فبحسب بعض التقسيمات التي يأتي الحديث عنها لاحقاً « 1 » ، تنقسم الموجودات الإمكانية إلى موجود مجرّد ذاتاً وفعلًا ، أي مجرد عن المادة وآثار المادة ، ويسمى بالعقل المجرّد ، وإلى موجود مجرّد عن المادة دون آثار المادة ، ويسمى بالموجود المثالي ، وإلى موجود مادّي .
ومهما يكن ، فإن كل القضايا الثابتة ، سواء تلك التي لها ثبوت خارجي أو ذهني ، تكون ثابتة في ذلك العقل المجرّد « 2 » . فكل قضية طابقت ما هو موجود عند العقل المجرّد فهي صادقة ، وكل قضية لم تطابق الموجود لديه فهي كاذبة . وبهذا يتبيّن أن ملاك صدق القضايا وكذبها - بناءً على هذه النظرية - هو المطابقة لما في العقل المجرّد من قضايا أو عدم المطابقة لها .
وقد أجاب المصنف عن هذه النظرية بأن هذه القضايا الموجودة لدى العقل المجرّد إما أن تكون صادقة أو كاذبة ، فتمسّ الحاجة في تمييز القضايا الصادقة عن الكاذبة إلى ملاك . فإن كان ملاك الصدق هو الثبوت في نفس الأمر فهذا رجوع عن النظرية ، وإن كان ملاك الصدق في قضايا العقل المجرّد هو عقل مجرّد آخر فننقل الكلام إلى هذا العقل الثاني ، وهكذا يطرح نفس التساؤل ، فيلزم التسلسل إلى ما لا نهاية .
هامش
( 1 ) المرحلة الثانية عشرة ، الفصل التاسع .
( 2 ) ليس المراد من العقل هنا العقل الإنساني ، فإن للعقل أكثر من ستة أو سبعة معان ، منها ذلك الموجود المجرّد في ذاته وأفعاله ، ولعله هو ما يسمى في اصطلاح الشرع بالملائكة ، وفي اصطلاح الفلاسفة بالعقول ، وفي اصطلاح المشّائين بالعقل الفعّال أو العقل العاشر ( ش ) .