و أمّا الكلام المطلق - المتحقّق في العالم بلا واسطة شيء من العالم - فهو ليس بكتاب ؛ لأنّه من عالم الأمر ، و الكتاب ليس إلّا بواسطة و من عالم الخلق ، و هذا مادّة الافتراق بينهما .
« و المتكلّم من قام به الكلام » القيام الصدوريّ « و قيام الموجود بالموجد » و الكلام بأيّ معنى له وجه هنا ؛ لأنّ الصدور أيضا مصدر كالكلام .
« و الكاتب من أوجد الكلام » يعني الكتابة و هذا مادّة الاجتماع ، و للإشارة إلى هذا قال : « من أوجد الكلام » و فسّره بالكتابة ، و يجوز أن يكون المعنى أنّ الكاتب يكون الواسطة لإنزال الكلام إلى مرتبة الكتاب و الأمر إلى منزل الخلق ، و كلّ النزولات هنا بطريق الفيض ، فافهم ، و لكلّ منهما مراتب و منازل .
و النزول حال الشيء في نفسه ، و الرتبة حال الشيء بالقياس إلى المبدأ ، و كلّ كاتب متكلّم بوجه دون العكس على ما قلنا ، و قيل بالعكس ، و له وجه .
« و مثاله في الشاهد أنّ الإنسان إذا تكلّم بكلام فقد صدر عن نفسه في لوح صدره و مخارج حروفه صور و أشكال حرفيّة ، فنفسه من [ 1 ] أوجد الكلام ، فيكون كاتبا بقلم قدرته في ألواح صدره و منازل صوته و مخارج نفسه - بفتح الفاء - و شخصه الجسماني ممّن قام به الكلام ، فيكون متكلّما فاجعل ذلك مقياسا لما في فوقه . و الكلام قرآن [ 2 ] و فرقان باعتبارين ، و الكلام لكونه من عالم الأمر منزله الصدور و لا يدركه إلّا أولو الألباب ، بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم و ما يعقلها إلّا العالمون و الكتاب لكونه من عالم الخلق منزله الألواح القدريّة يدركه كلّ أحد ؛ لقوله تعالى :
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
[ 3 ] و الكلام
لا يَمَسُّهُ إِلَّا
شرح
[ 1 ] ممّن . خ ل .
[ 2 ] من حيث إنّه عالم الأمر قران ؛ لأنّ عالم الأمر وجود جمعي و إجمالى لعالم الخلق و من حيث إنّه عالم الخلق فرقان ؛ لأنّ عالم الخلق تفصيل لعالم الأمر . حكيم نورى - نور اللّه مرقده -
[ 3 ] الأعراف ( 7 ) : 145 .