لم يكن صرف حقيقة العلم ، بل علما بوجه و جهلا بوجه آخر و صرف حقيقة الشيء لا يمتزج بغيره ، و إلّا لم [ 1 ] يخرج جميعه من القوّة إلى الفعل .
و قد مرّ أنّ علمه سبحانه تعالى راجع إلى وجوده فكما أنّ وجوده لا يشوب بعدم و نقص فكذلك علمه الذي هو حضور ذاته لا يشوبه بغيبة شيء من الأشياء ، كيف ؟ و هو محقّق الحقائق و مشيّئ الأشياء فذاته أحقّ بالأشياء من الأشياء بأنفسها ، فحضور ذاته تعالى حضور كل شيء فما [ 2 ] عند اللّه هي الحقائق المتأصّلة التي تنزل [ 3 ] هذه الأشياء منزلة الأشباح و الأظلال . »
لمّا سبق أنّ صفاته الحقيقة كلّها معنى واحد و قد فرغ عن حكم الوجود ، فلهذا قاس العلم بالوجود ؛ لظهور حاله و بعد ما ثبت أنّ الواجب عالم بذاته لزم كونه عالما بجميع الموجودات ؛ لأنّ ذاته علّة موجبة لجميع ما عداه ، و العلم التامّ بالعلّة الموجبة يستلزم العلم التامّ بمعلولها ، و أمّا كيفية علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الفساد من أغمض المسائل ، فمن أثبت علمه تعالى بالموجودات إمّا أن يقول : إنّه منفصل عن ذاته أولا .
و القائل بانفصاله إمّا أن يقول بثبوت المعدومات في الخارج كالمعتزلة ، أو في الذهن كبعض مشايخ الصوفيّة [ 4 ] ، أو يقول بأنّ علمه نفس وجوداتها
شرح
[ 1 ] فلم يخرج . خ ل .
[ 2 ] « و ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق » ، فتغيّر المعلومات لا يوجب تغيّر العلم ، فالعلم كلي و المعلوم جزئي و لا نعني بالكلّية و الجزئية ما هو من المعقولات الثانية التي هي عوارض المعاني و المفاهيم بحسب الوجود الذهني ، بل الكلية في الوجود و الجزئية فيه و هذا معنى قول الحكماء : إنّ الواجب تعالى يعلم الجزئيات بوجه كلّي ، فافهم . « محمد إسماعيل » .
[ 3 ] نزلت . خ ل .
[ 4 ] ر . ك : شرح فصوص الحكم للقيصري - قدس سره - ، صص 43 - 50 ؛ مصباح الأنس ، صص 60 - 62 .