من عبد الله .
الذي خلقني فهو يهدين لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش
والمعاد ، هداية متدرجة من مبدأ الإيجاد إلى منتهى أجله ، كما قال : ( الذي أحسن كل شئ
خلقه ثم هدى ) ( 1 ) .
والذي هو يطعمني ويسقين .
وإذا مرضت فهو يشفين . إنما لم ينسب المرض إليه لأن مقصوده تعديد
النعم ، ولأنه في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه ، وفي
أوامر الله تعالى ونواهيه ، كما قال الله سبحانه : ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت
أيديكم ) ( 2 ) .
والذي يميتني عد الموت من جملة النعم ، وأضافه إلى الله ، لأنه لأهل الكمال
وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية ، وخلاص من أنواع المحن
والبلية ثم يحيين .
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما
للأمة ، أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر ، وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم ،
واستغفار لما عسى يندر منه من خلاف الأولى ، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث : ( إني
سقيم ) ( 3 ) ، ( بل فعله كبيرهم ) ( 4 ) ، و ( هي أختي ) ( 5 ) لا وجه له ، لأنها معاريض وليست بخطايا .
هامش
( 1 ) - ليست بعين هذه الألفاظ آية في القرآن ، وهذه متخذة من آيتين في سورة طه والسجدة ، وهذا نصهما : الذي
أعطى كل شئ خلقه ثم هدى طه ( 20 ) : 50 ، الذي أحسن كل شئ خلقه السجدة ( 32 ) : 7 .
( 2 ) - الشورى ( 42 ) : 30 .
( 3 ) - الصافات ( 37 ) : 89 .
( 4 ) - الأنبياء ( 21 ) : 63 .
( 5 ) - قال : بينا هو ذات يوم وسارة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن
الناس ، فأرسل إليه وسأله عنها ، فقال : من هذا ؟ قال : أختي ، فأتى سارة فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض
مؤمن غيري وغيرك ، وان هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني . قصص الأنبياء ( لابن كثير ) : 149 ، نقلا
عن البخاري .