فلما سمعوا ذلك من رسول الله ، بكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي ، وأخبروا خبر
رسول الله ، وقرأوا عليه ما قرأ عليهم ، فبكى النجاشي ، وبكى القسيسون وأسلم
النجاشي ، ولم يظهر للحبشة اسلامه ، وخالفهم على نفسه ، وخرج من بلاد الحبشة ،
يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما عبر البحر توفى . فأنزل الله على رسوله ( لتجدن أشد الناس ) إلى
قوله ( وذلك جزاء المحسنين ) 1 .
( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) .
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ) : لا تمنعوا أنفسكم ( طيبات ماء أحل الله لكم ) :
ما طاب منه ولذ ( ولا تعتدوا ) عما حد الله ( ان الله لا يحب المعتدين ) .
( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) : مباحا لذيذا ( واتقوا الله الذي أنتم به
مؤمنون ) . قال : ( نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون ، فأما
أمير المؤمنين فحلف أن لا ينام بالليل أبدا ، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ،
وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا . فدخلت امرأة عثمان على عايشة ،
وكانت امرأة جميلة . فقالت عايشة : مالي أراك متعطلة ؟ فقالت : ولمن أتزين ؟ فوالله
ما قربني زوجي منذ كذا وكذا ، فإنه قد ترهب ، ولبس المسوح 2 ، وزهد في الدنيا . فلما
دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته عايشة بذلك . فخرج فنادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ،
فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟
انى أنام بالليل ، وأنكح ، وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنتي فليس منى . فقام هؤلاء
فقالوا : يا رسول الله ، فقد حلفنا على ذلك ، فأنزل الله : ( لا يؤاخذكم الله ) الآية ) 3 .
أقول : ليس في مثل هذا الخطاب والعتاب بأس على صاحبه ، نظيره قوله سبحانه :
هامش
1 - القمي 1 : 179 .
2 - المسوح جمع المسح : البلاس ، وهو كساء معروف . مجمع البحرين 2 : 414 ( مسح ) .
القمي 1 : 179 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .