فينا على الآلة وممتنع صدوره عنّا بدونها ، لكن لا يدلّ ذلك على كونه ممتنعا في حقّه تعالى أيضا بدون الجارحة والآلة ؛ لعموم قدرته التامّة وضعف قدرتنا الناقصة ، وكلّ ما أخبر الأنبياء عليهم السّلام عن اللّه تعالى من الممكنات يجب تصديقهم فيه على ما أخبروا به من غير تأويل وصرف عن ظاهره .
وهذا معنى قوله : ( وعموميّة قدرته تدلّ على ثبوت الكلام ) : أي بعد ضمّ إخبار الأنبياء عليهم السّلام كما عرفت فالكلام الّذي هو من صفته تعالى هو بمعنى التكلّم ؛ فإنّ المتكلّم هو من قام به التكلّم لا من قام به الكلام وهذا ظاهر جدّا .
والأشاعرة توهّموا أنّ الصفة هو الكلام بمعنى ما به التكلّم ، والمتكلّم هو من قام به الكلام بهذا المعنى ، وأطلقوا القول بأنّ القرآن قديم ، وأنّ من قال بخلق القرآن وحدوثه مبدع ، بل كافر .
ثمّ لمّا رأوا أنّ الكلام بهذا المعنى - الّذي حقيقته ليست إلّا الأصوات والحروف الحادثة - لا يجوز أن يكون [ قديما ] قائما بذاته تعالى ، اخترعوا أمرا محالا سمّوه بالكلام النفسيّ ، وقالوا : إنّه هو مدلول الكلام اللّفظيّ ، وأرادوا به غير العلم بمدلولات الألفاظ ، وغير إرادة إلقاء الكلام ، وغير القدرة على ذلك ، وغير حديث النفس .
وقالوا : إنّه أمر واحد في نفسه ليس بخبر ولا أمر ولا نهي إلى غير ذلك ، ولا يدخل فيه ماض ولا حال ولا استقبال . وقالوا : إنّ الكلام حقيقة ليس إلّا ذلك ، واللّفظيّ إنّما يسمّى كلاما لدلالته على ذلك . « 1 »
هامش
( 1 ) . لاحظ : شرح المواقف : 8 / 90 - 104 ؛ وشرح المقاصد : 4 / 143 - 151 ؛ ومحصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين : 128 - 130 .