الوجود بذاته ، فإذن يجب أن تكون إرادته علميّة .
ثمّ قال : والأولى أن يفصل أمر الإرادة ، فنقول : نحن إذا أردنا شيئا ، فإنّما نتصوّر ذلك الشيء تصوّرا : إمّا ظنيّا ، وإمّا تخيّليّا ، وإمّا علميّا ، وأنّ ذلك الشيء المتصوّر موافق ، والموافق هو أن يكون حسنا أو نافعا ، ثمّ يتبع هذا التصوّر والاعتقاد شوق إليه وإلى تحصيله . فإذا قوى الشوق « 1 » حرّكت القوّة الّتي في العضلات الآليّة إلى تحصيله .
ولهذا السبب تكون أفعالنا تابعة للغرض . وقد بيّنّا أنّ واجب الوجود تامّ ، بل فوق التمام ، فلا يصحّ أن يكون فعله لغرض ، فلا يصح أن يعلم أنّ شيئا هو موافق له ، فيشتاقه ثمّ يحصّله . فإذن إرادته من جهة العلم أن يعلم أنّ ذلك الشيء كونه خير من لا كونه ، وأنّ وجود ذلك يجب أن يكون على الوجه الفلانيّ حتّى يكون وجودا فاضلا . فلا يحتاج بعد هذا العلم إلى إرادة أخرى ليكون الشيء موجودا ، بل نفس علمه بنظام الأشياء الممكنة على الترتيب الفاضل هو سبب موجب لوجود تلك الأشياء على النظام الموجود والترتيب الفاضل .
فلوازم ذاته - أعني : المعلومات - لم يعلمها . ثمّ رضى بها ، بل لمّا كان صدورها عن مقتضى ذاته ، كان نفس صدورها عنه نفس رضاه بها ، فإذن لم يكن صدورها عنه منافيا للذّات ، بل مناسب لذات الفاعل ، وكلّ ما كان غير مناف وكان مع ذلك يعلم الفاعل أنّه فاعله ، فهو مراده ، لأنّه مناسب له ،
هامش
( 1 ) . في د : « الشوق والاجماع حركّت القوّة » ، كما في المصدر .