الوجود إنّما يعقل كلّ شيء على نحو كلّي ، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصيّ ،
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
« 1 » ، وهذا من العجائب الّتي يحوج تصوّرها إلى لطف قريحة » « 2 » .
ثمّ أشار إلى بيان النحو الآخر الّذي عليه يجب أن يكون تعقّله لهذه التغيّرات فقال : « وأمّا كيفيّة ذلك فلأنّه إذا عقل ذاته ، وعقل أنّه مبدأ كلّ موجود ، عقل أوائل الموجودات عنه وما هو تتولّد عنها ، ولا شيء من الأشياء يوجد إلّا وقد صار من جهة ما يكون واجبا بسببه ، وقد بيّنا هذا فتكون هذه الأسباب تتأدّى بمصادماتها إلى أن توجد عنها الأمور الجزئيّة .
فالأوّل يعلم الأسباب ومطابقاتها ، فيعلم ضرورة ما يتأدّى إليها ، وما بينها من الأزمنة ، وما لها من العودات ؛ لأنّه ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلم هذا ، فيكون مدركا للأمور الجزئيّة من حيث هي كلّيّة . أعني : من حيث إنّها صفات ، وإن تخصّصت بها شخصا ، فبالإضافة إلى زمان متشخّص ، أو حال متشخّصة لو أخذت تلك الحال بصفاتها ، كانت أيضا بمنزلتها ، لكنّها تستند إلى مبادئ كلّ واحد منها نوعه في شخصه ، فيستند إلى أمور شخصية .
وقد قلنا : إنّ مثل هذا الاسناد قد يحصل « 3 » للشخصيّات رسما ووصفا مقصورا عليها » « 4 » .
هامش
( 1 ) . سبأ : 3 .
( 2 ) . إلهيّات الشفاء : 2 / 359 / الفصل السادس من المقالة الثّامنة .
( 3 ) . في المصدر : « قد يجعل » .
( 4 ) . إلهيّات الشفاء : 2 / 359 - 360 / الفصل السادس من المقالة الثّامنة .