تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨

[ المبحث ] الثّاني [ في أنّ المعتبر في كون الشيء معقولا تجرّده عن المادة ]

قد اتّفقوا [ الحكماء ] على أنّ المعتبر في كون الشيء معقولا تجرّده عن المادّة فقط ، وفي كونه عاقلا تجرّده عن المادّة وكونه قائما بذاته معا ؛ لأنّ ما لا يكون قائما بذاته يكون حاصلا لغيره لا حاصلا لنفسه ، وما لا يكون حاصلا لنفسه فكيف يكون شيء آخر حاصلا له ؟ ! وحقيقة العلم إنّما هو حصول شيء لشيء كما مرّ غير مرّة ، فلا يجوز كون شيء من الصور والأعراض عاقلا ، ولا يلزم كون المادّة - لكونها قائمة بذاتها - عاقلة ؛ لأنّ مرادهم من القائم بذاته أن يكون موجودا بالفعل وقائما بذاته ، ووجود المادّة في حدّ ذاتها ليس بالفعل ، بل بالقوّة ؛ فإنّ فعليّة المادّة إنّما هو بالصورة المقيمة لها لا بذاتها . وما قيل - من أنّه لو كان حقيقة العلم هو الحصول ، لكان كلّ جماد عالما ؛ إذ ما من جماد إلّا وقد حصل ماهيّته له ، والمعلوم من كلّ شيء إنّما هو ماهيّته - فمندفع بأنّ الصور الجماديّة لمّا كانت قائمة بموادّها فماهيّاتها كانت حاصلة لموادّها ، لا لأنفسها على ما مرّ . وأيضا ما هو شرط في المعقوليّة - أعني : التجرّد عن المادّة - مفقود في الصور الجماديّة ؛ لكونها مقارنة لموادّها .