فمن البيّن أنّه ليس يمكن أن يتصوّر العلّة منها معلولها ، وإلّا أمكن أن يعود العلّة معلولة ويستكمل الأشرف بالأقلّ شرفا ، وذلك محال .
ومن هاهنا يظهر - كلّ الظهور - أنّه إن وضع لها مبدأ أوّل ليس بمعلول الشيء - على ما تبيّن في ما سلف أنّه لا يتصوّر إلّا ذاته ، وليس يتصوّر معلولاته وليس هذا شيء يخصّ المبدأ الأوّل منها ، بل ذلك شيء يعمّ جميعها حتّى عقول الأجرام السماويّة - فإنّا لا نرى أنّها تتصوّر الأشياء الّتي دونها ، « 1 » فإنّه لو كان لذلك لاستكمل الأشرف بالأخسّ « 2 » ، وإذا كان الأمر على هذا ، فكلّ واحد من هذه المبادئ وإن كان واحدا - بمعنى أنّ العاقل والمعقول فيه واحد - فهي في ذلك متفاضلة ، وأحقّها بالوحدانيّة هو الأوّل البسيط ، ثمّ الّذي يليه .
وبالجملة : فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مباد « 3 » أكثر ، فهو أقلّ بساطة وفيه كثرة مّا وبالعكس ، فكلّ ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مباد أقلّ فهو أكثر بساطة ، حتّى أنّ البسيط الأوّل بالتحقيق إنّما هو الّذي لا يحتاج في تصوّر ذاته إلى شيء من خارج .
فهذا هو الّذي أدّى إليه القول من أمر تصوّر هذه المبادئ . إلّا أنّه قد يلحق ذلك شناعات كثيرة :
أحدها : أن تكون هذه المبادئ جاهلة بالأشياء الّتي هي لها مباد ،
هامش
( 1 ) . في المصدر : « دونها على نحو وجودها » .
( 2 ) . وكانت تصوراته كائنة فاسدة كالحال في المعقولات الإنسانيّة .
( 3 ) . في د وفي المصدر : « إلى مبادئ » .