نعقل صورة بنائيّة نخترعها ، ثمّ يكون تلك الصورة المعقولة محرّكة لأعضائنا إلى أن نوجدها ، فلا تكون وجدت ، فعقلناها ، ولكن عقلناها فوجدت ، ونسبة الكلّ إلى العقل الأوّل الواجب الوجود هو هذا ؛ فإنّه يعقل ذاته وما يوجبه ذاته ، ويعلم من ذاته كيفيّة كون الخير في الكلّ ، وتتبع صورة « 1 » المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول عنده ، لا أنّها « 2 » تابعة اتّباع الضوء للمضيء والإسخان للحارّ ، بل هو عالم بكيفيّة نظام الحيز في الوجود ، وأنّه عنه ، وعالم بأنّ هذه العالميّة يفيض عنها الوجود على الترتيب الّذي يعقله خيرا أو نظاما .
ثمّ قال : ولا تظنّ أنّه لو كانت للمعقولات عنده صور وكثرة ، كانت كثرة الصور الّتي تعقلها أجزاء لذاته ، وكيف ؟ وهي تكون بعد ذاته ؛ لأنّ عقله لذاته ذاته ، ومنه يعقل كلّ ما بعده ؛ فعقله لذاته علّة عقله ما بعد ذاته ؛ فعقله ما بعد ذاته معلول عقله لذاته ، على أنّ المعقولات والصور - الّتي بعد ذاته - إنّما هي معقولة له على نحو المعقولات العقليّة لا النفسانيّة ، وإنّما له إليها إضافة المبدأ الّذي يكون عنه لا فيه ، بل إضافات على الترتيب بعضها قبل بعض ، وإن كانت معا لا بتقدّم وتأخّر « 3 » في الزمان ، فلا يكون هناك انتقال في المعقولات » « 4 » .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « فتتبع صورته » .
( 2 ) . في المصدر : « لا على أنّها » .
( 3 ) . في المصدر : « لا تتقدّم ولا تتأخّر » .
( 4 ) . إلهيّات الشفاء : 2 / 363 - 364 .