أوّلهما : في المشهور للمتكلمين ، وهو يدلّ على ثبوت علمه تعالى بأفعاله أوّلا ، وبواسطته على ثبوت علمه بذاته . وإنّما قلنا : في المشهور ؛ لأنّ الحكماء أيضا يستدلون به كما ستعلم .
وثانيهما : للحكماء وهو بالعكس من الأوّل ، أعني : أنّه يدلّ على ثبوت علمه بذاته أوّلا ، وبواسطته على ثبوت علمه بمعلولاته .
[ مسلك المتكلمين في إثبات علمه تعالى ]
أمّا الأوّل : فتقريره أنّ أفعاله تعالى محكمة متقنة ، وكلّ من كان فعله محكما متقنا ، فهو عالم .
أمّا الكبرى فبديهيّة بعد الاستقراء والاختبار ؛ فإنّ من رأى خطوطا مليحة ، أو سمع ألفاظا فصيحة تبنئ عن معان دقيقة وأغراض صحيحة ، لم يشكّ في أنّها صادرة عن علم ورويّة لا محالة .
فإن قيل « 1 » : كيف يمكن ادّعاء الضرورة في الكبرى وقد أسند جمع من الحكماء العقلاء عجائب خلقة الحيوان وتكوّن تفاصيل الأعضاء إلى قوّة عديمة الشعور سمّوها المصوّرة ؟ !
قلنا : خفاء الضروري على بعض العقلاء جايز ، على أنّهم لم يجعلوا المصوّرة مستقلّة في ذلك ، بل هم معترفون بكونها مسخّرة تحت إرادة صانع خبير - جلّت صنعته - كما صرّح به الشيخ في مواضع من " الشفاء " « 2 »
هامش
( 1 ) . تعرّض له شارح المقاصد وأجاب عنه . لاحظ : شرح المقاصد : 4 / 111 .
( 2 ) . طبيعيّات الشّفاء : 1 / 48 / الفصل العاشر إلى الخامس عشر من المقالة الأولى ؛ وإلهيّات الشّفاء :
2 / 283 / الفصل الرابع والخامس من المقالة السادسة .