وقال المصنّف في شرحه : « واعلم : أنّ كلّ خير مؤثر ، وإدراك المؤثر من حيث هو مؤثر حبّ له . والحبّ إذا فرّط سمّي عشقا ، وكلّما كان الإدراك أتمّ والمدرك أشدّ خيريّة كان العشق أشدّ .
والإدراك التامّ لا يكون إلّا مع الوصول التامّ . فالعشق التامّ لا يكون إلّا مع الوصول التامّ . ويكون ذلك على ما مرّ لذّة تامّة وابتهاجا تامّا .
فإذن العشق الحقيقيّ هو الابتهاج بتصوّر حضور ذات ما هي المعشوقة .
ثم لمّا كان الشوق عندنا من لوازم العشق وربّما يشتبه أحدهما بالآخر أشار إلى الشوق أيضا وذكر أنّه الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج . ولا يتصوّر ذلك إلّا إذا كان المعشوق حاضرا من وجه غائبا من وجه .
ثمّ أثبت العشق الحقيقيّ للأوّل تعالى لحصول معناه هناك . فإنّه الخير المطلق وإدراكه لذاته أتمّ الإدراكات ، ولم يتحاشّ عن إطلاق هذا اللّفظ عليه وإن كان غير مستعمل عند الجمهور ، لأنّه مستعمل في عرف الإلهيّين من الحكماء والمحقّقين من أهل الذوق ، ونزهه اللّه تعالى عن الشوق ، إذ لا يمكن أن يغيب عنه شيء ، وبيّن أنّه عاشق لذاته معشوق لذاته من غير وقوع كثرة فيه ، ومعشوق أيضا لغيره بحسب إدراك الغير له . انتهى » . « 1 »
وإذا عرفت الأمر في اللذّة فقس عليه حال الألم ، فالآلام العقليّة أشدّ من الآلام الحسّية ، بل لا نسبة لها إليها أعاذنا اللّه عنهما جميعا بفضله وكرمه .
هامش
( 1 ) . شرح الإشارات والتنبيهات : 3 / 360 - 361 .