الكمال والخير المؤثر عندها التذّت به لا محالة لتحقّق حدّ للذّة هاهنا كما تحقّق هناك .
وهي هاهنا أقوى ممّا هناك ، لكون إدراك العقل أتمّ من إدراك الحسّ ، لكونه وأصلا إلى كنه الأشياء وحقائقها ، بخلاف إدراك الحسّ ، لكونه واقفا عند سطوح الأجسام وظواهرها ، ولكون مدرك العقل أشرف وأبهى لتجرّده عن الشوائب المادّية والعوارض الجسمانيّة الّتي هي منبع الخسّة ومعدن الدناءة ، بل لا نسبة لهذه اللذّة إلى تلك اللذّات ، كما لا نسبة لمدرك العقل إلى تلك المدركات على ما بيّنا .
وإلى هذا أشار بقوله : وهو ؛ أي العقليّ أقوى ، ولذلك ترى الّذين أوتوا حظّا « 1 » منها يستحقرون طيّبات الحياة الدّنيا ، ولا يصدنّك عن هذه التفات طائفة منهم إلى شيء من شهواتها ، فإنّ ذلك منهم ليس من حيث إنّها لذّات حسّية مرغوب فيها ، بل من حيث إنّها بالقياس إليهم وسائل تلك اللذّة العظمى على ما قاله المحقّق الشريف .
فثبت تحقّق اللذّة العقليّة ، وكونها أقوى من اللذّات الحسيّة . وهذا ردّ لمن زعم من أهل الظاهر أنّه لا لذّة إلّا في المحسوسات .
وهذه اللذّة العقليّة ، ثابتة لسائر المجرّدات العقليّة والذّوات القدسيّة على طبقاتها وتفاوت مراتبها ، بل للمبدأ الأوّل جل شأنه وإن لم يتعارف إطلاق لفظ اللذّة على ما هناك .
هامش
( 1 ) . في د : « نصيبا » .