أفراد البياض أشدّ في كونها نسبة إلى البياض من النسبة إلى فرد واحد من البياض ، فحصل التّفاوت في مفهوم الأبيض ، لكن مفهوم الأبيض ليس ذاتيّا لا للبياض ولا لمعروضه ليلزم التشكيك في الذّاتي ، بل هو عرضيّ لمعروضه .
واعلم : أنّ مثل هذا التّفاوت الّذي بين أفراد العرض كالبياض مثلا - أعني : كون فرد كعدّة أفراد - يجوز أن يكون بين أفراد الجوهر أيضا كالإنسان مثلا بأن يكون فرد من الإنسان كعدّة أفراد منه ، فيتحقّق الشدّة والضّعف فيه بهذا المعنى ، لكن لما لم يكن الجوهر موجودا في الموضوع كالعرض لم يتحقّق هناك بالطبع مفهوم عرضيّ كالأبيض ليكون مقولا بالتّشكيك ، فالممتنع في الجواهر إنّما هو التّشكيك لا الشدّة والضّعف .
والظاهر أنّ من ذهب إلى جواز التّشكيك في الجواهر إنّما ذهب إليه لمثل هذا التّفاوت المذكور .
وإذا جاز ، فلا حاجة لذلك إلى المكابرة في جواز التّشكيك في الجواهر دليل آخر لنفي التّشكيك في الذّاتي .
وهو أنّ نسبة الماهيّة وذاتيّاتها إلى جميع الجزئيّات على السّواء ، فإنّ جميعها متساوية في أنّ تحقّقها ذهنا وخارجا ؛ لا يتصوّر إلّا عند تحقّق الماهيّة وذاتيّاتها ، وترتفع بارتفاع الماهيّة وذاتيّاتها ، فلا تكون الماهيّة وذاتيّاتها بالنّسبة إلى شيء من الأفراد أولى وأقدم أو أشدّ .
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 126
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص١٢٦