ثمّ لا يخفى : إنّ حقّ الكلام كان أن يقول : لو تركّبت المسافة ممّا لا يتجزّأ لم تكن الحركة موجودة .
وذلك « 1 » لأنّ الموجب لانتفاء الحركة إنّما هو تركّب المسافة ، سواء كانت الحركة أيضا مركّبة أو لا ، كما ظهر من تقرير الدّليل ، لكنّهم لما استدلّوا بإثبات ما لا يتجزّأ في الحركة على إثبات ما لا يتجزّأ في المسافة ، وجعلوا تركّب الحركة ممّا لا يتجزّأ دليلا على تركّب المسافة .
وضع المصنّف الدّليل موضع المدلول عليه ، والمراد هو ما ذكرنا ، هذا .
واعلم ، أنّ القول بتركّب الجسم من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ ينقسم إلى قولين :
الأوّل : القول بتناهي تلك « 2 » الأجزاء ، وهو مذهب جماعة من الأقدمين وأكثر المتكلّمين .
الثّاني : القول بعدم تناهيها ، وهو مذهب طائفة أخرى من الأقدمين ، والنّظام من المعتزلة ، وهو وإن لم يقل بالجزء ابتداء ، بل قال بقبول الجسم للانقسام لا إلى نهاية ، لكن لما كان من مذهبه أنّ حصول الأقسام من لوازم قبول الانقسام ، زعم أنّ جميع الانقسامات الّتي لا يتناهى حاصل في الجسم بالفعل ، فصرّح بأنّ في الجسم أجزاء غير متناهية موجودة بالفعل ، فلزمه القول بالجزء الّذي لا يتجزّأ ، لأنّه إذا كان كلّ انقسام ممكن في الجسم
هامش
( 1 ) . أي تعليل للحقيقة .
( 2 ) . أي القسمة ينتهي إلى حدّ لا يكون قابلا للقسمة أصلا .