منها ما كان كامنا فيها ، فيغلب ويظهر للحسّ بعد ما كان مغلوبا وغائبا عنه لا على أنّه يحدث ، بل على أنّه يبرز ، ويكمن فيها ما كان بارزا ، فيصير مغلوبا وغائبا بعد ما كان غالبا وظاهرا .
وبإزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل بروز ، بل على سبيل نفوذ من غيره فيه ، كالماء مثلا ، فإنّه إنّما يتسخّن بنفوذ أجزاء ناريّة فيه من النّار المجاورة له .
والمذهبان متقاربان ، فإنّهما يشتركان في أن الماء مثلا لم يستحل حارّا لكن الحارّ نار يخالطه .
ويفترقان في أنّ أحدهما يرى أنّ النّار برزت من داخل الماء ، والأخرى يرى أنّها وردّت عليه من خارجه ، وإنّما دعاهم على ذلك الحكم بامتناع كون شيء لا عن شيء ، وامتناع صيرورة شيء شيئا آخر . كذا في " شرح الإشارات " « 1 » مطابقا لما في " الشّفاء " .
ثمّ قال في " الشّفاء " : « فالسبب في غلطهم هو ظنّهم أنّه إذا كان مسلّما أنّ الشّيء لا يكون عن لا شيء ، فقد صحّ أنّ كلّ شيء يكون عن مشابهه في الطّبع ، وأنّه إذا كان مسلّما أن لا شيء لا يكون موضوعا لشيء استحال أن يكون الشّيء عن لا شيء .
أمّا الأوّل ، فلنضعه مسلّما ، فيجوز أن يكون الشّيء لم يتكوّن عن لا شيء ، ولكن تكون عن شيء ليس مثله في النّوع ، ولا مشابهه في الطّبع .
هامش
( 1 ) . لاحظ : شرح الإشارات والتنبيهات : 2 / 278 - 279 .