تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الجهة أمرا موجودا ذا وضع ، وذلك لاستحالة كون المعدوم أو المجرّد مقصودا بالحركة للحصول فيما يليه ، أو في قربه ، أو مقصودا بالإشارة الحسيّة ، فإنّها المتبادرة إلى الذّهن عند الاطلاق ، وإنّما اكتفى بذكر الوضع دون الوجود لاستلزامه إيّاه . والطبيعيّ منها ؛ أي من الجهة فوق وسفل ، فإنّهما لا يتبدّلان أصلا ، بمعنى أنّه لا يصير الفوق سفلا ولا السّفل فوقا ، لكونهما متعيّنين بالطّبع ومتخالفين بجسمه ، بخلاف الأربعة « 1 » الباقية من الست المشهورة بين النّاس ، لكونها متخالفة بحسب الوضع دون الطّبع ، لكون تعيّناتها وامتياز بعضها عن البعض بمجرّد الوضع والجعل ، لا أمرا راجعا إلى ما في طبائعها ، فإنّ المشرق مثلا إنّما صار قداما للمتوجّه إلى المشرق والمغرب خلفه ، والجنوب يمينه والشّمال شماله ، لانّهم جعلوا ما بإزاء وجه الإنسان قداما وما وراء ظهره خلفا ، وما بإزاء يمينه يمينا ، وما بإزاء شماله شمالا ، ولذلك إذا توجه إلى المغرب يتبدّل الجميع ويصير ما كان قدامه خلفه وبالعكس ، وما كان يمينه شماله وبالعكس . وأمّا الفوق والسّفل ، فلم يصيرا فوقا وسفلا ، لكون الأوّل بإزاء رأس الإنسان ، والثّاني بإزاء رجله ، ولذلك إذا صار القائم منكوسا لا يصير ما يلي رأسه حينئذ فوقا وما يلي رجله حينئذ تحتا ، بل يصير رأسه من تحت ، ورجله من فوق .
هامش
( 1 ) . اليمين ، واليسار ، والخلف ، والأمام .