فالحكماء كلّهم سواء كانوا قائلين بالسّطح ، أو بالبعد الموجود ، متّفقون على امتناع الخلاء بالمعنى الأوّل ، لما مرّ من قيام الأدلّة على وجود المكان .
وجمهور القائلين بالسّطح مع بعض القائلين بالبعد الموجود ، ذهبوا إلى امتناع الخلاء بالمعنى الثّاني أيضا .
وبعض من القائلين بالبعد الموجود وافقوا المتكلّمين في تجويز المعنى الثّاني ، لكن خالفوهم في كون ذلك المكان الخالي بعدا موهوما .
قال الشّيخ في " الشّفاء " : « أصحاب البعد على مذهبين :
منهم من يحيل أن يكون هذا البعد يبقى فارغا لا مالئ له ، بل يوجب أنّه لا يتخلّى عن مال ألبتّة إلّا عند لحوق مال .
ومنهم من لا يحيل ذلك ، بل يجوّز أن يكون هذا البعد خاليا تارة ومملوّا تارة ، وهم أصحاب الخلاء .
وبعض القائلين بالخلاء يظنّ أنّ الخلاء ليس هو بعدا ، بل هو لا شيء ، كأنّ الشّيء هو الجسم . انتهى » . « 1 »
فإن قيل : المكان عند المتكلّمين لما كان عدما صرفا ولا شيئا محضا غير متحقّق أصلا ، فما معنى تجويز كونه خاليا عن الشّاغل وإمكان ذلك .
قلنا : معناه كون الجسمين بحيث لا يتماسّان ، ولا يكون بينهما ما يماسّهما .
هامش
( 1 ) . طبيّعيات الشّفاء : 1 / 116 - 117 / الفصل السّادس من المقالة الثّانية .