ممكن الحدوث في ذاته ، وتكون إفاضته غير مختصّة بشيء من الأجسام ، فيجب أن لا تكون لتلك القوّة تعلّق بشيء من الأجسام ؛ لا في ذاتها ، ولا في فاعليّتها ، بل كانت غنيّة عن الأجسام من كلّ الوجوه غير جسمانيّة ، بل مجرّدة مفارقة .
وعند هذا التّحقيق : يظهر أنّ القوّة الجسمانيّة يمتنع أن يكون تأثيرها في وجود المجرّدات ، لأنّ القرب والبعد مع لا حيّز له ، ولامكان له محال .
إذا ثبت ذلك ؛ ثبت أنّ القوّة الجسمانيّة لا تأثير لها في وجود الهيولى والصّورة المقوّمة ، فلا يكون لها تأثير في وجود شيء من الأجسام .
وعند هذا يبطل شكّ من يقول : كما أنّ الجسمانيّ لا نسبة له إلى المجرّدات بالقرب والبعد ، كذلك المجرّد لا نسبة له إلى الجسمانيّ بالقرب والبعد ، فوجب أن لا ينسبوا وجود الأجسام إلى المجردات .
فإنّا نقول : إنّ مؤثريّة المجرّد يكفي في تحقّقها كون الأثر في ذاته ممكنا ، فمتى تحقّق ذلك الإمكان فاض الأثر عنه .
فأمّا مؤثريّة القوى الجسمانيّة ، فلا يكفي فيها كون الأثر ممكنا فقط ، بل وأن يكون محل الأثر له قرب من محل القوّة الجسمانيّة ، وذلك على المجرّد محال . انتهى كلامه وهو لا غبار عليه » « 1 » .
واعلم أنّه إنّما قال المصنّف : « ويشترط في صدق التّأثير على الفاعل المقارن الوضع » مع أنّه يكفي أن يقول : ويشترط في تأثير المقارن الوضع .
هامش
( 1 ) . المباحث المشرقيّة : 1 / 500 - 501 / الفصل الثّاني عشر من الفنّ الرّابع .