فإن قيل : حكم العقل بهذا التّرتيب باطل ، لأنّه لا وجوب بالنّسبة إلى العلّة النّاقصة ؛ بل التّامّة ، والوجوب إذا كان ممّا يتوقّف عليه الوجود كان جزء من العلّة التّامّة ، فيكون متقدّما عليها لا متأخّرا .
أجيب : بأنّ جزء العلّة التّامّة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل ، ولو سلّم ، فالوجوب يعتبر بالنّسبة إلى علّة ناقصة هي جميع ما يتوقّف عليه الوجود سوى الوجوب .
فإن قيل : ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقا بالوجوب لا يصحّ فيما يصدر عن الفاعل المختار ، لأنّ الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم .
أجيب : بأنّ الاختيار إذا كان من تمام العلّة لم يتحقّق الوجوب إلّا بعد تحقّق الاختيار ، وكون المعلول واجبا بالاختيار لا ينافي كونه مختارا بل يحقّقه .
والإمكان لازم وإلّا يجب الماهيّة أو يمتنع ؛ أي الإمكان لازم لماهيّة الممكن غير منفكّ عنها ، وإلّا لزم صيرورة الماهيّة واجبة بالذّات أو ممتنعة بالذّات ، لامتناع الخلوّ بين الثّلاثة ، فيلزم الانقلاب ، بخلاف الوجوب والامتناع الغيريّين « 1 » ، فإنّهما منفكّان لا محالة بزوال الغير .
وهذه مسألة على حدة أوردها في خلال مسألة وجوب الممكن لئلّا يتوّهم ان عند عروض الوجوب يرتفع الإمكان .
وقد يستدّل على ذلك « 2 » بأنّ الإمكان لو لم يكن لازما لماهيّة الممكن ، بل يكون حادثا بعد ما لم يكن .
هامش
( 1 ) . وقد بيّن امتناعه في المسألة التاسع عشرة .
( 2 ) . أي على كون الإمكان لازما لماهيّة الممكن .