أجيب : بأنّ تعقّلها وإن كان عبارة عن وجودها في الذّهن لكن تعقّلها غير تعقّل وجودها في الذّهن ، فإنّ تعقّل وجودها في الذّهن غير وجودها في الذّهن بالاعتبار ، لأنّ التعقّل غير المتعقّل بالاعتبار وإن كان عينه بالذّات في بعض الصوّر .
فإن قيل : لا نسلّم إنّا نعقل الماهيّة مع الغفلة عن وجودها ، فإنّه كلّما تمثّل الماهيّة في الذّهن تمثّل وجودها فيه .
أجيب : بأنّه لو كان تمثّل الماهيّة مستلزما لتمثّل وجودها لاستحال الشك في أنّ الماهيّة موجودة عند تمثّلها في الذّهن .
إذ يستحيل الشّك في إتّصاف الشّيء بمقوّمه عند تمثّله في الذّهن ، وليس كذلك فإنّا نعقل ماهيّة المثلّث وغيرها ونشكّ في وجودها الخارجيّ والذّهني .
فإن قيل : محصّل هذا الوجه ، إنّا نتصور الماهيّة ، ولا نصدّق بوجودها ، فالماهيّة معلومة ؛ أي تصوّرا ، والوجود ليس بمعلوم ؛ أيّ تصديقا ، فلا « 1 » يتحدّ الوسط .
أقول : التّعقّل أعمّ من التّصديق « 2 » ، فلا باعث على حمل الكلام على ما ذكرت .
بل المعنى ، إنّا نتصوّر الماهيّة ، ولا نتصوّر وجودها .
أو إنّا نصدّق بثبوت الماهيّة وذاتيّاتها لها ، بمعنى أنّها هي هي من غير تصديق بثبوت الوجود العيني أو الذّهني لها ، كما صرّح به شارح المقاصد « 3 » .
هامش
( 1 ) . فلا تثبت النّتيجة .
( 2 ) . لأنّه مرادف للعلم المطلق .
( 3 ) . راجع : شرح المقاصد : 1 / 311 .