التهديد ، ويسكنونه في دار ضيقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك ، فعند ذلك
يندمون على ما فرطوا في جنب الله فلا ينجيهم الندم ، ولا ينفعهم الأسف ، بل يكبون
على وجوههم من فوق النار ، فهم بين مقطعات النار وسرابيل القطران ، يتحطمون في
دركاتها ، ويضطر بون بين غواشيها ، تغلي بهم النار كغلي القدور ، وينادون بالويل
والعويل ، ومهما دعوا بالثبور صب فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ،
فمن كان من أهل الشفاعة أدركته ، لقوله صلى الله عليه : " ادخرت شفاعتي لأهل
الكبائر من أمتي " .
وقوله عليه السلام : " يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما ( 1 ) وفحما " ومن
كان من أهل الخلود ، فالويل له بالعذاب الدائم المقيم ، نعوذ بالله من ذلك .
واعلم أن تلك الدار التي عرفت غمومها وهمومها ، يقابلها دار أخرى وهي
الجنة ، فإن من بعد منها استقر لا محالة في جهنم ، فاستشعر الخوف في قلبك بطول الذكر في
أهوال الجحيم ، واستثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم ، الموعود لأهل الإحسان ،
وسق نفسك بسوط الخوف ، وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم ، فبذلك تنال الملك
العظيم ، وتسلم من العذاب الأليم .
فتفكر في أهل الجنة ، في وجوههم نظرة النعيم ، يسقون من رحيق مختوم ختامه
مسك ، جالسين على منابر من الياقوت الأحمر ، في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، فيها
بسط من العبقري الأخضر ، متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر
والعسل ، محفوفة بالغلمان والولدان ، مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان ، كأنهن
الياقوت والمرجان ، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، يمسون ( 2 ) في درجات الجنان . إذا
اختالت في مشيها ، حمل أعطافها سبعون ألفا من الولدان ، عليها من طرائف الحرير
الأبيض ما تتحير فيه الأبصار ، مكللا بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان ، كحلات
غنجبات ( 3 ) عطرات آمنات من الهرم والبؤس ، ومقصورات في قصور من الياقوت ،
نبتت وسط روضات الجنات ، قاصرات الطرف عين ، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب
وأباريق وكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين .
هامش
1 - الحمم : الرماد والفحم وكل ما احترق في النار " الصحاح - حمم - 5 : 1905 " .
2 - في تنبيه الخواطر : يمشين .
3 - امرأة غنجة : حسنة الدل ، وقيل : الغنج ملاحة العينين " لسان العرب - غنج - 2 : 337 " .