تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
خاشع خفي ، وأنهضت قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين ، فعند ذلك يقال : يا ابن آدم ، ألم أكرمك وأسودك ( 1 ) وأزوجك ، وأسخر لك الخيل والإبل والأنعام ، وأنعم عليك بالشباب ؟ ففي ماذا أبليته ؟ وأمهل لك في العمر ، ففي ماذا أفنيته ؟ وأرزقك المال ، ففي ماذا أنفقته ؟ ألم أكرمك بالعلم ، فماذا عملت فيه ؟ فانظر خجلك وحياءك عند تعداده عليك إنعامه وأياديه ، ومقابلته بمساوئك ، وأنت قائم بين يديه بقلب محزون خافق وجل ، وطرف خاشع ذليل منكسر ، ثم أعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . أو ما علمت أن جوارحك شهوده ، وأعضاءك جنوده ، وضمائرك عيونه ، وخلواتك عيانه ، فكم من فاحشة نسيتها ! وكم من طاعة غفلت عنها ! وكم من ذنوب كشف لك عن مساوئها ! فخجلت منها حيث لا ينفع الخجل ، ووجلت حيث لا ينفع الوجل ، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه ! وبأي لسان تجيب عند العرض عليه ! وبأي قلب تعقل ! فتفكر في عظم جنايتك وذنوبك ، إذ يقول لك : يا عبدي أما استحيت مني ! بارزتني بالقبيح ، واستحيت من خلقي ، فأظهرت لهم الجميل ، وبارزتني بالقبيح ، أكنت أهون عليك من عبادي ، استخففت بنظري إليك ، واستعظمت خلقي . يا بن آدم ، ما غرك بي ، فماذا عملت ؟ وبماذا أجبت الرسل ؟ ألم أكن رقيبا عليك ، وأنت تنظر بعينك إلى ما لا يحل لك ! ألم أكن رقيبا على أذنيك ، وأنت تسمع بهما ما لا يحل لك ! وكذا يعدد عليه جميع جوارحه وأعضائه . فانظر لنفسك ، فإنك بين أن يقال لك : قد تفضلت عليك بالغفران ، فيعظم سرورك وفرحك ، ويغبطك الأولون والآخرون . وأما أن يقال للملائكة : خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ، فعند ذلك لو بكت عليك السماوات والأرض لكان ذلك جديرا بك ، لعظم مصيبتك ، وشدة حسرتك على ما فرطت من طاعة الله ، وعلى ما بعت من آخرتك من دنيا دنيئة لم تبق لك . واعلم أنه لن ينجو من هول ذلك اليوم إلا من حاسب في الدنيا نفسه ، ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ( 2 ) ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
هامش
1 - سوده : جعله سيدا ، يعني سيادة الإنسان على المخلوقات الأخرى انظر " الصحاح - سود - 2 : 490 " . 2 - في تنبيه الخواطر : وخطواته .
أعلام الدين في صفات المؤمنين — صفحة 250 | الحسن بن محمد الديلمي / مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث