غاض غدير الكلام ما بقي الدّه * ر وقرّت شقائق الخطب « 1 »
يا علم المجد لم هويت وقد * كنت أمين العماد والطنب ؟
يا مقول الدهر لم صمتّ وقد * كنت زمانا أمضى من الشهب ؟
يا ناظر الفضل لم غضضت وما * كنت قديما تغضي على الريب ؟
كنت قريني ولست لي لدة * كنت نسيبي ولست من نسبي « 2 »
ممّا يقوّي العزاء عنك وإن * شرّد قلبي العزاء بالكرب
أنّك أحرزتها وإن رغم الده * ر ثمانين طلقة الحقب
فإن دموعي جرين نهنهها * علمي أن قد ظفرت بالأرب « 3 »
فليت عشرين بتّ أحسبها * باعدن بين الورود والقرب
إنّي أظمأ إلى المشيب ، ومن * ينج قليلا من الرّدى يشب
إن سرّني طالع البياض أقل * يا ليت ليل الشّباب لم يغب
مرّ على ذلك التراب من المز * ن خفوق الأعلام والعذب « 4 »
فثمّ بشر أصفى من الغدق الع * ذب وجود أندى من السحب
لا تحسبنّ الخلود بعدك لي * إنّ المنايا أعدى من الجرب
إن أنج منها وقد شربت بها * فإنّ خيل المنون في طلبي
ولست أدري في شعراء العصر أحسن تصرفا في المراثي منه . ولما رثى أبا منصور الشيرازي بهذه القصيدة في سنة ثلاث وثمانين رثى أبا إسحاق الصابي في سنة أربع وثمانين بالقصيدة التي أوردتها في بابه ، ثم لما حال الحول وتوفي الصاحب في سنة خمس وثمانين وتعجب الناس من انقراض بلغاء العصر الثلاثة على نسق في ثلاث سنين ، رثاه أيضا بقصيدة سأورد غررها في مراثي الصاحب .
هامش
( 1 ) الشقاشق : الفصيح من الخطب .
( 2 ) اللدة : وهو الذي ولد معك أو تربّى .
( 3 ) نهنها : منعها وكفّها .
( 4 ) العذب : أعالي الرماح ، وطرق الفنن من الشجر .