وكنت أرى أنّي مع الصّبر واجد * إذا شئت لي ممضى وإن شئت مرجعا « 1 »
فلما استمرّ الحبّ في غلوائه * رعيت مع المضياعة الغرّما رعى « 2 »
فحزني حزن الهائمين مبرّحا * وسرّي سرّ العاشقين مضيّعا
وهبت شبابي والشباب مضنّة * لأبلج من أبناء عمّي أروعا « 3 »
أبيت معنّى من مخافة عتبه * وأصبح محزونا وأمسي مروّعا
فلما مضى عصر الشبيبة كلّه * وفارقني شرخ الشباب فودّعا « 4 »
تطلّبت بين العتب والهجر فرجة * فحاولت أمرا لا يرام ممنّعا « 5 »
وصرت إذا ما رمت في الخير لذّة * تتبّعتها بين الهموم تتبّعا
وها أنا قد حلى الزمان مفارقي * وتوّجني بالشيب تاجا مرصّعا
فلو أنّني مكّنت ممّا أريده * من العيش يوما لم أجد فيّ موضعا
أما ليلة تمضي ولا بعض ليلة * أسرّ بها هذا الفؤاد المفجّعا
أما صاحب فرد يدوم وفاؤه * فيصفى لمن يصفى ويرعى لمن رعى
أفي كلّ دار لي صديق أودّه * إذا ما تفرّقنا حفظت وضيّعا
إذا خفت من أخوالي الروم خطّة * تخوّفت من أعمامي العرب أربعا
وإن أوجعتني من أعادي شيمة * لقيت من الأحباب أدهى وأوجعا
ولو قد رجوت اللّه لا شيء غيره * رجعت إلى آلي وأملّت أوسعا
لقد قنعوا بعدي من القطر بالنّدى * ومن لم يجد إلّا القنوع تقنّعا « 6 »
وما مرّ إنسان فأخلف مثله * ولكن يرجّى الناس أمرا مرقّعا « 7 »
هامش
( 1 ) ممضى : مصدر ميمي بمعنى المضيّ .
( 2 ) الغلواء : حدّة الشباب ونشاطته وميعته .
( 3 ) مضنّة : يقال للشيء النفيس الذي تضنّ به النفوس : إنّه علق مضنّة .
( 4 ) شرخ الشباب : ريعانه وحدّته ونشاطه .
( 5 ) الفرجة : الفسحة والخلاص .
( 6 ) القطر : المطر المنهلّ .
( 7 ) مرقّعا : موصولا .