ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات ، ثم يتبعها بطعام وضر ، وشراب عكر ، أو من يتبخر بالند المعشب المثلث ، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب ، ثم يرفقه بإرسال الريح الخبيثة ، ويفسده بالرائحة الردية ، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم ، وطرائف الحكم ، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول : اعذروني فإن العذرة متعذرة .
فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله [ من الخفيف ] :
أتراها لكثرة العشّاق * تحسب الدمع خلقة في المآقي ؟
وهو ابتداء ما سمع بمثله ، ومعنى تفرد بابتداعه ، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال :
كيف ترثي التي ترى كلّ جفن * راءها غير جفنها غير راقي « 1 »
وقوله [ من الطويل ] :
لياليّ بعد الظاعنين شكول * طوال ، وليل العاشقين طويل « 2 »
يبنّ لي البدر الذي لا أريده * ويخفين بدرا ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبّة سلوة * ولكنني للنائبات حمول
وما شرقي بالماء إلّا تذكّرا * لماء به أهل الخليط نزول « 3 »
يحرّمه لمع الأسنة فوقه * فليس لظمآن إليه سبيل
من قصيدة اخترع أكثر معانيها ، وتسهل في ألفاظها ، فجاءت مصنوعة ، ثم
هامش
( 1 ) راءها : أي رآها قدّم الألف واخر الهمزة ضرورة راقي : رقأ الدمع ، انكفأ وانقطع .
الظاعنين : الراحلين .
( 2 ) الظاغين : الراحلين وشكول : متشابهة .
( 3 ) شرقي : غصي ، والخليط : المكان الذي يختلط به القوم .