فأجابتني عن الكتاب ، وقالت : ما أنت واللّه كما ذكرته في هذا البيت ، بل أنت كما قال الشاعر في هذه القصيدة :
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم * ثم استمرّ مريري وارعوى الوسن « 1 »
قال : ولما سمع سيف الدولة البيت الذي يتلوه وهو قوله :
وإن بليت بودّ مثل ودّكم * فإنّني بفراق مثله قمن « 2 »
قال : سار وحق أبي .
قال : ولما سمع قوله لفنا خسرو [ من المنسرح ] :
وقد رأيت الملوك قاطبة * وسرت حتى رأيت مولاها
قال : ترى هل نحن في الجملة ؟
سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : كان أبو الطيب المتنبي قاعدا تحت قول الشاعر [ من الطويل ] :
وإنّ أحقّ الناس باللوم شاعر * يلوم على البخل الرجال ويبخل
وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله [ من الطويل ] :
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها * وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
فحضرت عنده يوما بحلب وقد أحضر مالا من صلات سيف الدولة ، فصب بين يديه على حصير قد افترشه ، ووزن وأعيد في كيس ، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال قد تخللت خلل الحصير ، فأكب عليها بمجامعه ينقرها ويعالج استنقاذها منه ، ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار
هامش
( 1 ) استمرّ مريري : قوي بعد ضعف والمرير : العزيمة وارعوى : تراجع ، والوسن : النعاس .
( 2 ) القمن : الجدير .