الدابة فرقا ، فلما قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه « 1 » فإذا المتنبي ، وأنشدني [ من الطويل ] :
نثرنا رءوسا بالأحيدب منهم * كما نثرت فوق العروس الدراهم
ثم قال : كيف ترى هذا القول ؟ أحسن هو ؟ فقلت له : ويحك ! قد قتلتني يا رجل ، قال ابن جني : فحكيت أنا هذه الحكاية بمدينة السلام لأبي الطيب ، فعرفها وضحك لها ، وذكر أبا علي من التقريظ والثناء بما يقال في مثله .
قال : وأنشدت أبا علي ليلا قصيدة أبي الطيب التي أولها [ من البسيط ] :
* واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم « 2 » *
فلما وصلت إلى قوله فيها :
وشرّ ما قنصته راحتي قنص * شهب البزاة سواء فيه والرّخم « 3 »
أعجب جدا به ، ولم يزل يستعيده ، حتى حفظه ، ومعناه : إذا تساويت ومن لا قدر له في أخذ عطاياك فأي فضل لي عليه ؟ وما كان من الفائدة كذا لم أفرح به ، وإنما أفرح بأخذ ما تختص به الأفاضل .
قال : وحدثني المتنبي قال : حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر ، قال : أحدثك بطريفة ، كتبت إلى امرأتي وهي بحران كتابا تمثلت فيه ببيتك [ من البسيط ] :
بم التعلّل لا أهل ولا وطن * ولا نديم ولا كأس ولا سكن ؟
هامش
( 1 ) حسر لثامه : أزاله عن وجهه فانكشف وطهر .
( 2 ) الشبم : البارد ، لأنّ قلبه لم يداخله الحب حتى يحترق بناره .
( 3 ) الرّخم : طائر من الجوارح يشبه النسر .