وممّا يجرى هذا المجرى ما ذكرته في الاغتراب ، وهو : ولطالما أورث الاغتراب عزّا ، واستثار من السعادة كنزا ، حتّى إنّ الله جعله سنّة في أنبيائه ورسله ، ونهج لهم سبيل « 1 » العزّ بسلوك « 2 » سبله . ويكفى من ذلك ما سنّته الغربة اليثربيّة من القوّة بعد الفرار ، والكثرة بعد ثاني اثنين إذ هما في الغار . والتّقلقل « 3 » سبب للسّكون ، والسهاد داعية لهدوّ « 4 » العيون . ولو لزم السيف غمده لم يبن « 5 » أثر مضاربه ، ولا خدمه لسان المدح في نظم شاعره ، ولا نثر خاطبه ، ومن فوائد « 6 » الاغتراب عذوبة ماء البحر بمرافقة السّحاب .
في هذا الكلام معنى واحد مأخوذ من القرآن في « 7 » سورة التّوبة ، وهو قوله تعالى :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ
« 8 »
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
« 9 » .
ومن هذا الضرب ما ذكرته في وصف القلم ، وهو : له القلم الذي يصرع الخطب الجليل بضعفه ، ويسبق « 10 » الحرف الأمون بحرفه ؛ وإذا نكس رأسه رأيت أبّهة الخيلاء في عطفه . فهو يجلّ بأسا ويدقّ جسما ، ويمجّ من لسانه شهدا وسمّا .
فإذا ارتقى أنامله قيل : خطيب رقى منبرا . وإذا اهتزّ في يده كأنّه جانّ ؛ ولّى [ السيف ] « 11 » مدبرا .
وهذا الفصل يشتمل على معان كريمة « 12 » ذات « 13 » أحساب صميمة ،
هامش
( 1 ) في ن : « سبل » .
( 2 ) في ع : « سلوك » خطأ .
( 3 ) في ن : « والتقليل » خطأ .
( 4 ) في ط : « الهدوء » .
( 5 ) في الأصل ، وم ، وع : « لم تبن » ؛ وفي ط الكلمة غير منقوطة ؛ وما أثبته من ت .
( 6 ) في ع : « فائدة » .
( 7 ) في ط : « من » .
( 8 ) « إذ » سقطت من ع .
( 9 ) التوبة / 40 .
( 10 ) في م : « يستبق » ؛ ويقابلها في هامش ع عنوان : وصف القلم .
( 11 ) الزيادة من ت ، وم ، ون .
( 12 ) في م : « كثيرة » .
( 13 ) « ذات » سقطت من م ؛ وكتب الناسخ : « وأحساب » .