به أبو عبيد اللّه ، فهل عندك في أمره حيلة ؟ قال له : ليس بجاهل في صناعته . وانه لا حذق الناس ، وما هو بظنين فيما يتقلده ، لأنه أعف الناس ، حتى لو كان بنات المهدي في حجره لكان لهن موضعا ، وليس بمتهم بانحراف عن هذه الدولة ، لأنه ليس يؤتي من ذلك ، وليس يتهم في دينه ، لان عقده وثيق ، ولكن هذا كله يجتمع لك في ابنه ، فقام الربيع ، فقبل عينه ، وما زال يدس إلى المهدي من يخبره خبر عبد اللّه بن أبي عبيد اللّه . وكان المهدي قد جد في طلب الزنادقة ، وغلظ في أمرهم ، فقدم عليه بجماعة منهم ، في سنة ست وستين ومائة ، وأحضر معهم وضاح الشروي ، وعبد اللّه بن أبي عبيد اللّه ، وكان أخذه بمكة ، فأدخل على المهدي ، فقال : أزنديق أنت ؟ قال : نعم - وممن يعتقد الزندقة قوم يرون أن جحد ما يدينون به محظور ، وأن التقية غير جائزة ، وقد دخل هذا الخبر على أن عبد اللّه بن أبي عبيد اللّه منهم - فقال له المهدي : اقرأ ، فقرأ : « تباركت وعالموك بعظم الخلق » . فأشار الربيع على المهدي بمطالبة أبيه بقتله ، فقال المهدي لأبي عبيد اللّه : أضرب عنقه ، فتنحى ، كأنه يريد أن يفعل ذلك ، فارتعد فقال له العباس بن محمد : يا أمير المؤمنين : شيخ كبير ، وله حرمة ، ويكفيك غيره ما أردته منه . وأبو عبيد اللّه يقول لابنه : ما بهذا أدبتك ، ولقد علمتك كتاب اللّه عز وجل ! فأمر المهدي عبد اللّه بن أبي العباس الطوسي ، وكان يخلف أباه على الحرس ، بقتله ، فلما تنحى ليقتل صاح : يا أمير المؤمنين ، التوبة . فتغافل عنه المهدي ، فقال : عافية بن يزيد القاضي . انه يعرض بالتوبة ، يا أمير المؤمنين ، فأقبل عليه المهدي ، وقال : واللّه ما اللّه أردت بذلك ، انزعوا عمامته ، وجئوا في عنقه . فما زال يدفع ويوجأ في عنقه حتى أخرج ، وأمضى عبد اللّه ابن أبي العباس ما أمر به من قتله ، فقتل ودفن ولم يستقبل به القبلة .
وأحضر جملة من أحضر من الزنادقة ابن لأبي أيوب ، سليمان بن أيوب المكي ، فأقر بالزندقة وتاب ، فقبل المهدي توبته ، وأمر باطلاقه .
وذلك في سنة ست وستين ومائة .
ولما قتل المهدي عبد اللّه بن أبي عبيد اللّه ، قال الربيع لبعض خدم المهدي : لك علي ثلاثة آلاف دينار ، ان فعلت شيئا لا يضرك ، قال له : وما هو ؟ قال : إذا دخل أبو عبيد اللّه إلى المهدي ، فصار بحضرته ، قبضت على سيفه ، ومشيت إلى جانبه ، فسينكر ذلك عليك أمير المؤمنين ، فتقول :
يا أمير المؤمنين ، قتلت ابنه بالأمس ، فكيف آمنه عليك أن يخلو بك ومعه سيفه اليوم ! ففعل ذلك الخادم ، فكان ذلك مما أوحش المهدي من أبي عبيد اللّه .
الوزراء والكتاب — صفحة 98
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٩٨