توفي خالد ، فوجه اليه المهدي بكفن وحنوط ، وصلى عليه هارون .
الربيع وأبو عبيد اللّه :
ولم يزل أبو عبيد اللّه في خلافه المهدي إلى ثلاث وستين ومائة مستقيم الامر ، ثم سعى عليه الربيع ، وحمل المهدي على مكارهه ، فصرفه في سنة ثلاث . وكان السبب في ذلك أن الربيع كان يحسن خلافة أبي عبيد اللّه ، بحضرة أبي جعفر عند غيبته مع المهدي بالري ، ويكاتبه بما يحتاج اليه ، وينبهه على ما يصلحه ، ويكف عنه من يريد غيبه والقدح في محله ، أو ذكره بخلاف الجميل ، فلما انصرف الربيع من الحج ، بعد موت أبي جعفر ، وقد قام ببيعة المهدي القيام المشهور ، قصد بابه ، بادئا به قبل المهدي ، فقال له الفضل : يا سيدي ، تترك أمير المؤمنين ، وتترك أهلك ، وتأتي أبا عبيد اللّه ! فقال : يا بني ، هو صاحب الرجل ، فليس ينبغي أن نعامله كما كنا نعامله ، ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره ، من النصرة له والمعاونة . فلما وصل إلى الباب وقف عليه ، وقد كان وقت المغرب إلى وقت عشاء الآخرة ، ثم خرج الحاجب ، فقال : ادخل ، فثنى رجله لينزل ، وثنى الفضل رجله معه ، فقال الحاجب : انما استأذنت لك وحدك يا أبا الفضل ، فقال له : أرجع فأعلمه أن الفضل معي ، ثم أقبل على الفضل فقال : هذا من ذاك . ثم خرج الآذن ، فأذن لهما جميعا ، فدخلا وأبو عبيد اللّه في صدر مجلسه على مصلى قد اتكأ على وسادة ، فلم يقم اليه ، ولا استوى جالسا ، ولا ألقى اليه شيئا يجلس عليه ، وتركه على البساط ، وجعل يسائله عن سفره ومسيره وحاله ، والربيع يتوقع أن يسأله عما كان منه في أمر المهدي ، وتجديده بيعته ، فأعرض أبو عبيد اللّه عن ذلك ، فذهب الربيع ليبتدئه بذكره ، فقال : قد بلغنا نبؤكم فقام الربيع لينصرف ، فقال أبو عبيد اللّه ، لا أرى الدروب الا وقد أغلقت ، فلو أقمت . فقال له الربيع : لا أرى الدروب تغلق دوني . فقال : بلى ، قد أغلقت . وظن الربيع انه يريد أن يستريح من تعب مسيره ، ثم يسأله فيما بعد ، فقال : فأقيم إذا ، فقال أبو عبيد اللّه : يا غلام ، هيئ لأبي الفضل موضعا في منزل محمد ، يعني ابنه ، فلما رأى أنه يريد الخروج من داره ، قال : فليس يغلق دوني درب ، وقصد منزله منصرفا . وأقبل على ابنه الفضل ، فقال : يا بني ، أنت أحمق . قال : وما حمقي ؟ قال : تقول لي : كان ينبغي ألا تجيء ، وإذا جئت وحجبك أن لا تقيم منتظرا ، ولما دخلت فلم يقم إليك أن ترجع ، ولا تكلمه ! لم يكن الصواب غير ما فعلته كله ، ولكن واللّه الذي لا إله إلا هو لأخلقن جاهي ، ولأنفقن مالي ، حتى أبلغ مكروه أبي عبيد اللّه . ثم جعل يضرب ظهرا لبطن ، ويضطرب يمينا وشمالا ، فلا يجد مساغا ، ثم ذكر القشيري ، وكان أبو عبيد اللّه أساء به وحجبه ، فاستحضره وقال قد علمت ما ركبك