عند ورود كتاب الوكيل ، فقيل له : ابن المقفع ، فعلم أنه من فعله ، فلما صار اليه بعد أيام وتحدثا ، قال عمارة : بعثت بتلك الثلاثين ألف درهم إلى الوكيل ، وكنا إليها هاهنا أحوج ، قال : فان عندنا فضلا ، وبعث اليه بثلاثين ألفا أخرى .
وحكي أن سفيان لما أمر بتقطيع ابن المقفع وطرحه في التنور ، قال له : واللّه انك لتقتلني ، فتقتل بقتلي ألف نفس ، ولو قتل مائة مثلك ما وفوا بواحد ، ثم قال :
إذا ما مات مثلي مات شخص * يموت بموته خلق كثير
وأنت تموت وحدك ليس يدري * بموتك لا الصغير ولا الكبير
وكان غسان بن عبد الحميد ، كاتب سليمان بن علي ، يقول لخادمه :
إذا قلت لك خوض لنا سويقا فخثره ، فان الرجل لا يستحيي أن يزداد ماء يرققه به ، ويستحيي أن يزداد سويقا يخثره به .
أبو مسلم والمنصور :
ولما أقبل أبو مسلم من الدسكرة يريد المدائن ، وعمل أبو جعفر على قتله ، دعا أبا أيوب المورياني ، فقال له : يا سليمان ، شاور سلم بن قتيبة في أمره ، فشاوره ، فقال سلم : أرى أن يتجاوز له ويصفح عن ذنبه . فأخبر أبو أيوب أبا جعفر بذلك ، فقال له أبو جعفر :
عاوده وأعلمه اني أمرتك أن تشاوره ، فعاوده فأعلمه ذلك ، فقال له سلم :
قل له : لا يصلح سيفان في غمد ، ثم تلا :
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »
.
وكان فيما خاطب به أبو مسلم أبا جعفر في كتاب كتبه اليه قبل أن يجمع الرجوع : انا كنا نروي عن ملوك آل ساسان : ان أخوف ما يكون الوزراء ما سكنت الدهماء ، فأنا نافر من قربك ، حريص على الوفاء بعهدك ، حري بالسمع والطاعة لك ، غير أنها من بعيد ، حيث تقارنها السلامة . في كلام طويل .
قال أبو أيوب :
ولما قرب أبو مسلم من المدائن ، دخلت على أبي جعفر بين العصر والمغرب ، وهو في خباء شعر ، على مصلى ، وبين يديه كتاب من أبي مسلم ، فلما رآني رمى بالكتاب إلي ، فقال لي : اقرأه يا سليمان ، فقرأته ، ثم قال لي : واللّه لئن ملأت عيني منه لأقتلنه ، فقلت في نفسي : انا لله وانا اليه راجعون ، طلبت الكتابة ، حتى إذا بلغت غايتها ، وصرت كاتبا للخليفة ، وقع بين الناس هذا التخليط ، واللّه ما أرانا نسلم ، وما أحسب أصحاب أبي مسلم يرضون ان قتل أن يدعوا هذا على الأرض ، ولا أحدا من أسبابه ، ثم انصرفت متفكرا ، وامتنع علي النوم ليلتي تلك ، ثم خطر ببالي أن الرجل