طريح بن إسماعيل :
وكان داود بن علي يتقلد الكوفة وأعمالها ، فدفع طريح بن إسماعيل إلى كاتبه رقعة إلى داود في حاجة له اليه ، متقاضيا لها ، فقال له : هذه حاجتك مع حاجة فلان من الاشراف ، فقال :
تخل بحاجتي واشدد قواها * فقد أمست بمنزلة الضياع
إذا راضعتها بلبان أخرى * أضر بها مشاركة الرضاع
ودونك فاغتنم شكري وشعري * وإياكم مكاشفة القناع
فأفرد رقعته ، وقضى حاجته .
أيام المنصور
وكان يكتب لأبي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد . مولى حاتم ابن النعمان الباطلي ، من أهل حران ، وكان كاتبا متقدما ، فجلس في يوم من أيام عطلته بحران ، ويحيى بن نزملة الصفري ، وعبيد اللّه بن النعمان ، مولى ثقيف ، ورجلان آخران تحت شجرة تين ، وذلك بعد انقضاء أمر بني أمية ، ومصير الامر إلى بني العباس ، فقالوا : لو أصبنا رجلا له سلطان انقطعنا اليه ، وكنا في خدمته ، يرزقنا رزقا نعود به على عيالنا ، فقال بعضهم : عسى اللّه عز وجل أن يسبب ذلك لنا أو لبعضنا فيفضل علينا .
فتواقفوا بينهم ألا يصيب رجل منهم سلطانا الا آسى أصحابه . وطلب المنصور كاتبا ، فوصف له عبد الملك بن حميد . فأمر باحضاره ، فأحضر ، فقلده كتابته ودواوينه ، وتذكر عبد الملك أصحابه فأحضرهم ، وقلدهم الاعمال فأثروا ، وحسنت أحوالهم ، وكانوا إذ ذاك يعرفون بأصحاب التينة .
وهو الذي أمره أبو جعفر ، وقد أنشد أبو دلامة أبياته التي يقول فيها :
هبت تعاتبني من بعد رقدتها * أم الدلامة لما هاجها الجزع
قالت تبغ لنا نخلا ومزدرعا * كما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسألة * أن الخليفة للسؤال ينخدع
أن يقطعه خمس مائة جريب « 1 » عامرة ، وخمس مائة جريب غامرة ، فقال : أبو دلامة : أما العامر فقد عرفته ، فما الغامر ؟ فقال : الذي لا يدركه الماء ولا يسقى الا بالمئونة والكلفة ، فقال أبو دلامة : فاشهد يا أمير المؤمنين ومن حضر ، اني قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد كلها . فضحك المنصور ، وقال : أجعلها يا عبد الملك عامرة كلها ، فقال أبو دلامة لأبي جعفر : أتأذن لي في تقبيل يدك ، فلم يفعل ومنعه ، فقال : ما منعني شيئا
هامش
( 1 ) الجريب من الأرض : مقدار معين ، يرجح انه يساوي ألفين وأربعمائة متر مربع .