تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
هذا لا يمكنني ، ولكني أؤخره بخراجه إلى العام المقبل ، فقال : لست أقبل غير ما سألت ، فقال أبو عبيد اللّه : فاقنع بدون هذا ، لتوجد لي السبيل إلى قضاء الحاجة ، فأبى عمارة ، وتلوم أبو عبيد اللّه قليلا ، فنهض عمارة ، فأخذ أبو عبيد اللّه بكمه وقال : فاني أتحمل ذلك من مالي ، فعاد لمجلسه ، وكتب أبو عبيد اللّه إلى عامل الخراج باسقاط خراج الرجل لسنته ، والاحتساب به على أبي عبيد اللّه ، واسلافه مائتي ألف درهم ، ترجع منه في العام المقبل . فأخذت الكتاب وخرجنا ، فقلت : لو أقمت عند أخيك ولم تعبر في هذا المد ؟ فقال : لست أجد بدا من العبور ، فصرت معه إلى الموضع ، ووقفت حتى عبر .

حيلة أبي العباس ضد أبي مسلم :

وكان أبو الجهم بن عطية ينوب عن أبي مسلم بحضرة أبي العباس ويخلفه ، فثقلت وطأة أبي مسلم على أبي العباس ، وكثر خلافه إياه ، ورده لامره ، فقال أبو العباس لأبي الجهم : اكتب اليه ، وأشر عليه بالاستئذان في القدوم علينا ، لتجديد العهد بنا . فكتب اليه أبو الجهم بذلك ، فقبل رأيه ، وكتب مستأذنا ، فمنعه أبو العباس ، وقال له : خراسان لا تحتمل مفارقتك لها ، وخروجك عنها ، وتركه شهرا . ثم قال لأبي الجهم أعد الكتاب بمثل ذلك ، فأعاده ، فكتب أبو مسلم مستأذنا ، فمنعه وأجابه ، ان خروج أمير المؤمنين إليك أسهل من الاذن لك ، واخلائك ما قد أصلحه اللّه بك ، ثم تركه شهرا . وقال لأبي الجهم : أعد الكتاب ، وأشر عليه بأن يذكر شدة شوقه ، ومحبته لمشاهدة نعمة اللّه عندنا ، وعنده فينا ، ففعل ، وكتب أبو مسلم بنحو ما كتب به أبو الجهم اليه ، فأجابه أبو العباس بالاذن . واستخلف أبا صالح كامل بن مظفر على الخراج والدواوين ، وفرق أعمال الحرب على جماعة ، وقدم على أبي العباس فلقيه ، ثم استأذن في الحج ، فأذن له . وكان أبو العباس شكا إلى خالد ، وهو يتقلد دواوينه ، اهتمامه بهيبة الجند أبا مسلم ، فأشار عليه أن يأمره بعرضهم ، واسقاط من لم يكن من أهل خراسان منهم ، ففعل ذلك . فجلس أبو مسلم للعرض ، فأسقط في أول يوم بشرا كثيرا ، ثم جلس في اليوم الثاني ، فأسقط أيضا بشرا كثيرا ، ثم جلس في اليوم الثالث ، فدعا بالناس فلم يقم أحد ، فدعا ثانية فلم يقم أحد ، ودعا ثالثة فلم يقم أحد ، فقام اليه رجل فقال : علام تسقط الناس أيها الرجل منذ ثلاث ؟ فقال : أسقط من لم يكن من أهل خراسان ؟ قال : فابدأ بنفسك ، فإنك من أهل أصبهان ، وقد دخلت في أهل خراسان . فوثب أبو مسلم عن مجلسه ، وقال : هذا أمر أحكم بليل ، وحسبك من شر سماعه ، وفطن لما أريد به ، وبلغ الخبر أبا العباس ، فسره .