بلغ قعرها أم هو يهوى به ؟ لا تقل ذاك يا أمير المؤمنين ، فإنه والى وليك ، وأخاف عدوك ، وجعل نفسه لك جنة ، ودينه لك وقاية ، وانه يوم القيامة لعن يمين أبيك ، ويسار أخيك ، فاجعله حيث شئت .
أسامة بن زيد على خراج مصر :
وكان سليمان ولي رجلا من موالي معاوية ، يقال له ، اسامة ابن زيد ، من أهل دمشق ، وكان كاتبا نبيلا ، الخراج بمصر ، فبلغه أن عمر بن عبد العزيز يقرصه ، ويغمص عليه في سيرته . فقدم اسامة ابن زيد على سليمان بمال اجتمع عنده ، ووافقه على ما احتاج اليه ، وعمل على الرجوع إلى عمله ، وتوخى وقتا يكون فيه عمر عند سليمان . فلما بلغه حضوره مجلسه استأذن عليه ، فلما وصل اليه ، قال له : يا أمير المؤمنين ، اني ما جئتك حتى نهكت الرعية وجهدت ، فان رأيت أن ترفق بها ، وترفه عنها ، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها ، وصلاح معايشها ، فافعل ، فإنه يستدرك ذلك في العام المقبل ، فقال له سليمان : هبلتك أمك « 1 » ، أحلب الدر « 2 » ، فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا . فخرج أسامة بن زيد ، فوقف لعمر بن عبد العزيز حتى خرج ، فركب ثم سار معه ، وقال له : انه بلغني يا أبا حفص ، انك تلومني وتذمني ، وقد سمعت اليوم ما كان من مقالتي لابن عمك ، وما رد علي ، وعرفت عذري ، فقال عمر : سمعت واللّه كلام رجل لا يغنى عنك شيئا !
عزل عمر لاسامة :
فلما توفي سليمان كتب عمر ، وهو على قبره ، بعزل أسامة بن زيد ، وبعزل يزيد بن أبي مسلم ، فاغتابه الناس وقالوا :
هذا الحرص ، الا صبر حتى يدفن الرجل ! فقال لما بلغه ذلك : اني واللّه خفت اللّه عز وجل ، واستحييته ان أقرهما يحكمان في أمور الناس طرفه عين وقد وليت أمورهم .
هامش
( 1 ) هبلته أمه : ثكلته أمه .
( 2 ) الدر : اللبن .